محمد برهومة

السعودية قبل الأحداث الثلاثة

تم نشره في الخميس 26 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:06 مـساءً

تشكّل التدين السعودي في تياره الأعرض بعيداً عن التشدد والتطرف حتى جاءت ثلاثة أحداث رئيسية فغيّرت وجه هذا التدين، وهي: الصراع بين الجمهوريين والملكيين، أي بين الزعيم المصري جمال عبدالناصر، الذي رفع لواء القومية العربية، وبين العاهل السعودي الراحل الملك فيصل الذي رفع الراية الإسلامية لصد المدّ القومي عن بلاده، ومن هنا احتضانه قيادات "الإخوان" الهاربة من نظام عبدالناصر. ولم يدُرْ ببال الملك فيصل أن هذه الواقعة ستكون حدثاً تأسيسياً للتشدد الديني في بلاده؛ فقد نفذ "الإخوان" إلى حقل التعليم والخطب والمحاضرات والمجال الديني والثقافي، وتخلّق من هذه البيئة تيار أكثر تشدداً وهو "الجماعة السلفية المحتسبة"، الذي منحه عبد العزيز بن باز المشروعية والمباركة. وقد خرج، كما بات معروفاً، عن هذا التيار مجموعة جهيمان العتيبي التي اقتحمت المسجد الحرام في الحادثة الشهيرة العام 1979. وقد كان اندلاع الثورة الإيرانية في العام ذاته هو الحدث التأسيسي الثالث الذي غيّر ملامح التدين السعودي لنحو أربعة عقود.
لم تكن السعودية قبل هذه الأحداث الثلاثة بلداً ليبرالياً بالطبع، لكنها لم تكن أيضاً كما أصبحت بعدها. فبعد حادثة اقتحام الحرم المكي مباشرة صدر مرسوم ملكي (1980) موجّه إلى وزير الإعلام السعودي آنذاك باعتماد ما يلي:
1 -عدم عرض أي رقص نسائي أو ظهور أي مغنية في التلفزيون. 2-عدم ظهور أي امرأة تلقي نشرة إخبارية.3 - عدم ظهور أي امرأة سعودية في التلفزيون. 4 - يمنع منعاً باتاً ظهور أي صور للنساء في الجرائد والمجلات السعودية.
وبعد ثمانية أشهر من ذلك صدر مرسوم ملكي آخر بالموافقة على نظام جديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية)، وتم ربطها برئيس مجلس الوزراء، ما أعطاها دعماً ونفوذاً كبيرين، وقد نصت المادة التاسعة من النظام على أن أهم واجبات الهيئة إرشاد الناس ونصحهم لاتباع الواجبات الدينية وحمل الناس على أدائها.
قبل هذه الأحداث كانت السعودية، رغم خصوصيتها الدينية نظراً لوجود الحرمين فيها، دولة عادية مثل باقي الدول العربية تقريباً، حيث كان يتصالح التدين مع الانفتاح وحب الحياة وعدم الشك في الآخرين، وعدم التورط في فوبيا فتنة المرأة. وقد كان الملك فيصل شديد الحزم في تطبيق قراره تعليم البنات (1964) وفي إدخاله التلفاز إلى حياة السعوديين، لكنّ هذا، لم يعنِ غياب الممانعة الدينية، فقد اضطر الملك فيصل نفسه إلى تأجيل قانون المحاكم التجارية في حزيران (يونيو) 1968، إذ قوبل برفض علماء الدين في السعودية. كما كان متعذراً، وفق باحثين، البدء الفعلي في وزارة العدل (التي صدر مرسوم ملكي بإقرارها عام 1970 أي بعد وفاة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي البلاد بعام واحد – والذي كان يقود جهود الممانعة والرفض). اليوم قررت السعودية أنْ تعود إلى طبيعتها التي كانت عليها قبل 1979، أي قبل سيطرة التيار الصحوي والسلفي المتشدد على المجال الديني والتعليمي والثقافي في المملكة. ويقود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تحديثاً اجتماعياً بالتوازي مع تطوير اقتصادي يبتعد عن الاعتماد على السلعة النفطية.والمثير أن التحديث الاجتماعي والديني في السعودية اليوم يعني العودة إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في السعودية، وقد قدّمت بدرية البشر في روايتها "غراميات شارع الأعشى" صورة مهمة عن فترة نهاية السبعينيات، حيث كان الناس متدينين ومتسامحين ويحبون الموسيقى والغناء والرقص وجلسات السمر، رجالاً ونساء، ثم بدأ يغزوهم التشدد والتفكير الذكوري والمنع والشك والتحريم، فكان النكوص إلى الوراء والتطرف، وها نحن نشهد دعوة من القيادة السعودية لوقف ذلك، والعودة إلى الإسلام المنفتح قبل أن تخنقه "الأحداث الثلاثة".

التعليق