موفق ملكاوي

الأردن في منظور الأيديولوجيات

تم نشره في الخميس 26 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:04 مـساءً

منذ الوعي الأول، كان لا بد لنا من أن نتعامل مع مفاهيم عديدة، يتبعها طابور كبير من المصطلحات و"الكلاشيهات" التي كان لزاما علينا حفظها في بواكير انفتاحنا على الأيدلوجيات المختلفة.
في زمن المد القومي ومقولات "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، كان من الخيانة أن تطلق لقب "وطن" على الأردن. في أدبيات كثير من الأحزاب والأيدلوجيات ظل مصطلح "شرق النهر" راسخا في التعاطي الذي يحكم النظرة إلى المنطقة. "الشرق أردنيون" كان مصطلحا آخر تم اقتراحه للتدليل على قسم من الأردنيين، ورغم أنه امتلك بواعث سياسية معينة، إلا أنه، كذلك، اشتمل على نَفَس تقسيمي وأحيانا تصنيفي لدى كثير ممن أسهبوا في استعمال المصطلح.
الخواء القومجي الذي عمد إلى التغطية على سلسلة طويلة من الفشل، صبغ الجغرافيا والشعوب بـ"رجعية" في مقابل "تقدمية". حتى الأغنية الوطنية الأردنية ظلت مذمومة. الشعراء الذين كتبوا عن الأردن تم نبذهم خلال فترات زمنية سابقة. لكن ذلك ما كان لينجح لولا شعور ذاتي بالنقص عند الأردني سببه تاريخ كامل من الكذب الذي اعتبرناه مسلمات لا شبهة فيها، إضافة إلى تواطئنا العلني مع الآخرين، وطعن في الظهر انتهجه كثيرون ضد البلد.
مؤتمر "الوطن البديل" الذي عقد مؤخرا في دولة الاحتلال أشبه بـ"حفل ألعاب نارية". صوت عال ولكن من دون أي تأثير. التأثير الوحيد له أحدثناه نحن الأردنيين، حين بدأنا نخرج الدفاتر القديمة ونزيل الغبار عن تعبيرات الخواء الأيدلوجي في التنظير لـ"الدولة الوظيفية"، ونقرر بلا أي حياء بأن دور الأردن انتهى عند هذه النقطة!
إن نتيجة مثل هذه، وللأسف، ستكون مقبولة لدى كثيرين؛ دول وأفراد ومنظمات وجماعات. وستكون إسرائيل مرحبة جدا بها، خصوصا أنها تعيش أزمة حقيقية منذ وجودها، ولا بد أن تأتي إلى اليوم الذي تدفع فيه استحقاقات الدولة الفلسطينية المستقلة، سواء على جزء من التراب الوطني الفلسطيني أو على جميع هذا التراب؛ من البحر إلى النهر. حقيقة تعلمها إسرائيل، وتعلم أن أي حل على حساب الأردن سيؤخِر، على أقل تقدير، هذه الاستحقاقات.
لكن هناك أيضا، أيدلوجيات معينة سترحب بـ"الخيار الأردني"، من باب النكاية أو التأشير على "الصواب السياسي" أو حتى من جهة المنافع، والتي تفتح الاحتمال واسعا لدخول أعداء وأصدقاء وجيران وأبناء من هذه البوابة.
التنظيرات السياسية التي تبدو محايدة أحيانا، ومحبة وشغوفة وحزينة، أحيانا أخرى، في تنظيراتها المسمومة لـ"أزمة الوجود الأردني"، هي ما نخشاه، لأنها تدس السم في الدسم، وتأتي من باب الخوف الظاهر على الأردن، فيما هي في الحقيقة تحاول جاهدة إثبات "الصواب السياسي" بالمفهوم الاشتراكي البائد، من أن وجود الأردن ارتبط بدور يلعبه في حماية دولة الاحتلال، وأنه لم يتبق له دور أو وظيفة في ظل انفتاح العرب على إسرائيل! هذه التنظيرات هي التي تخلق حالة من "اليقين الكاذب" التي ينبغي أن نتنبه كثيرا قبل أن نتناولها بأي نقاش جدي، فهي عبارة عن ترهات تحاول أن تسلمنا إلى اليأس والقنوط.
نعم، هناك تغيرات تحدث في منطقتنا، كثير منها لا يعنينا بأي شيء، وبعضها يؤثر سلبا على الأداء الاقتصادي لمؤسساتنا. لكن إيماننا ببلدنا هو ما يجعلنا قادرين على تخطي التحديات الكثيرة التي تفرض نفسها على واقعنا. وقبل كل شيء، ينبغي أن ندرك أن للآخرين أجنداتهم ومطامعهم، وربما أحقادهم.

التعليق