قدر من المعرفة العلمية ضروري لكل إنسان

تم نشره في الاثنين 30 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:06 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 30 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 02:51 مـساءً

ذكرنا في مقال سابق أن ما قدمته التكنولوجيا إلى الحضارة الإنسانية يفوق ما قدمه أي منهج آخر، أو واسطة أخرى إليها، وأن المنهج العلمي هو المحرّك الأول لذلك، مما جعل جملة العلماء والمفكرين يعتبرونه أعظم اختراعات الإنسان في العصر الحديث. لعلّ الفرق الحضاري بين شعب وآخر، أو دولة وأخرى، ناجم عن الفرق في مكانة هذا المنهج عند كل منهما.
ولبيان حاجة كل إنسان الماسّة إلى المعرفة العلمية الناجمة عنه أوردت إحدى القنوات الفضائية البريطانية قصة كيفين كالان – سائق الشاحنة البريطاني – الذي حكم عليه بالمؤبد لارتكابه جريمة قتل طفل صغير تبين فيما بعد أنه لم يرتكبها، عندما اقتنع المحلفون من شهادة أطباء في علم إصابات الدماغ والمحققين والادعاء أن كيفين قتل طفل زوجته ذا الأربع سنوات بهز رأسه حتى مات.
لقد أدى الجهل العلمي ليس عند المحلفين والقاضي والمحققين والادعاء والأطباء أيضاً إلى قناعة المحكمة بارتكاب كيفين للجريمة، ومن ثم أصدرت حكمها الظالم عليه. وعندما كان كيفين يسأل محاميه عن رأي الخبراء في الموضوع كان يطلب منه أن يغلق فمه ولم يطلب شهوداً للدفاع عنه.
وهكذا تُرك كيفين وحيداً أو الشاهد الوحيد للدفاع عن نفسه فحكم عليه بالمؤبد. غير أنه لما كان ثابت العزم وقوي الإرادة، وقواعد السجن تسمح للسجناء بشراء الكتب، فقد اشترى كل ما يتعلق بموضوعه منها، وعلّم نفسه فيه، وصار كأنه كان أحد طلبة كلية الطب الممتازين في الجامعة الذين يستعدون لتقديم الامتحان النهائي، مع الفرق أن كيفين السجين كان مضطراً للعثور على تفسير علمي لموت الطفل الذي لم يتسبب بموته. للمرء – هنا – أن يتخيل كم هو مدمر للروح أن يحكم شخص بريء بالمؤبد.
في أثناء قراءاته عثر على كتاب لطبيب نيوزلاندي متخصص في أمراض الأعصاب وهو الأستاذ فيليب رايتسون فأرسل إليه جميع تفاصيل القضية/ المحاكمة كما سجلتها المحكمة. وقد قام الأستاذ الطبيب بمطالعتها بحرص شديد، فأعيدت محاكمة كيفين بعدما تقدم هذا الأستاذ بشهادته أمام المحكمة التي اقتنعت ببراءة كيفين من الجريمة بعد أربع سنوات قضاها في السجن، وأن إصابة دماغ الطفل ناتجة عن الوقوع لا عن الهز. البراءة التي ظل كيفين يرددها طيلة المحاكمة. "لو أن هذه القضية حصلت في إطار قضاء يحكم بالإعدام لضاعت حياة كيفين لفوات الأوان عليها".
"لقد دان المعلقون على القضية بعد البراءة جهل جميع الأطراف في المحكمة في العلم ذي العلاقة، بينما حصل سائق الشاحنة صاحب الإرادة القوية المؤمن بالعلم على المحبة والاحترام والتقدير".
"نعم. كان القاضي والمحلفون والخبراء والمحامون متعلمين أكثر منه بكثير، ولكنهم كانوا متعلمين في الموضوعات الخطأ فجعلوه ضحية لجهلهم".
يفهم من يستطيع من هذه القضية أن كل إنسان بحاجة ماسة إلى قدر من المعرفة العلمية، وإلى تمسك قوي بالمنهج العلمي في البحث لحل المشكلات ومواجهة التحديات، "ومع هذا نجد بعض المديرين التنفيذيين في شركات التعدين من يدفع مبالغ طائلة منها لمدعي القدرات الإلهية ليحددوا لهم أين يحفرون للعثور على النفط والمعادن النفيسة" كما يقول ر. دوكنجز.
إن هدم الحاجز العلمي القوي في بلاد المسلمين يفتح الباب لهم للاكتشاف واختراع العجائب، ولكنهم يغلقونه بإحكام لصالح الباب أو التفسير الديني للظواهر والمشكلات والأحداث. وعندما تواجههم بالحقيقة المرّة فإنك تصنع أعداء منهم لك أو يكفرونك. لقد قتلوا شهية الأطفال إلى العلم والمعرفة بتديين العلم وليس السياسة فقط، فكانت النتيجة تخلف المسلمين عن الركب وخراب أفغانستان وسورية والعراق وليبيا واليمن، ومحاولة تدمير مصر...

التعليق