إبراهيم غرايبة

العلاقة بين السلطة والمواطنين: كيف نعيش حياتنا؟

تم نشره في الخميس 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:07 صباحاً

تشكلت الموارد والمؤسسات والقيم والأفكار في المحاولة الإنسانية الدائبة لتحسين الحياة، وفي ذلك فإن مبتدأ رواية العلاقة التعاقدية بين السلطة والمواطنين هي كيف نعيش حياتنا؟ هكذا أيضا نتساءل ونحاول الإجابة في البحث عن المعاني والعلاقات بين الموارد والأفكار، ونقيم السياسات، كيف نعيش أحرارا ونتمتع بمستوى معيشي وتعليمي وصحي واجتماعي كريم ومناسب؟
عندما تكون الرواية الأساسية للمدارس الخاصة والمستشفيات الخاصة هي ضعف أو فشل الأداء الحكومي فإنها رواية تقتضي بالضرورة أن الفشل الحكومي يشكل مصالح واستثمارات وأسواقا. وأن طبقات من المجتمع يعتمد وجودها وبقاؤها على الفشل. ومن الطبيعي والمتوقع أن تشتغل هذه الطبقة على الفشل وتسعى لتكريسه واستمراره. هناك رواية أخرى للمدارس والمستشفيات الخاصة هي تقديم خدمات أفضل من الخدمات الحكومية. تقتضي الرواية بالطبع أن تنشأ أسواق ومصالح وطبقات حول الجودة، ولكنها رواية تحتاج لاستمرارها إلى وجود خدمات حكومية قوية ومنافسة. ومن الطبيعي أن تنهار رواية الجودة وأسواقها عندما تنهار الخدمات الحكومية. ولن يعود القطاع الخاص يقدم خدمات بجودة عالية حتى وهو يقدمها على أساس ربحي.
وبالطبع فإن المواطن عندما لا يكون أمامه خيار سوى القطاع الخاص سوف تتحول الأسواق إلى إذعان. سوف تتحكم الشركات بحياة المواطن الأساسية وتتلاشى خيارات المواطن. ثم وبطبيعة الحال إزاء ضعف المجتمعات وعدم قدرتها على التأثير على الأسواق سوف تتراجع مستويات الخدمات التي تقدمها الشركات ولن يحصل المواطن على سلع وخدمات تتفق في جودتها ومستواها مع الثمن الذي يدفعه. ثم تستتبع الشركات الأجهزة والمؤسسات الحكومية بالعطايا والتسهيلات وتنشئ تحالفات فاسدة في مواجهة المجتمعات ويصير المواطن يدفع مقابل لا شيء، أو شيء هزيل. ويتحول الوهم إلى سلعة.
وفي مواجهة ذلك فإن الإصلاح ليس سوى المصالح المتشكلة حول أهداف وغايات المجتمعات أو إجابة السؤال الأساسي الجامع "كيف نعيش حياتنا؟" وهذه المصالح تنشئ القيم الإصلاحية ثم طبقات ومجتمعات تستمد قيمها ووجودها وتأثيرها من الإصلاح. ثم تنشئ هذه الطبقات مصالح ومؤسسات جديدة؛ فينمو ويزدهر الاقتصاد الإصلاحي. وينشأ نظام اقتصادي قائم على القيم الإصلاحية مثل الثقة والإتقان والإبداع. وتنشأ حول هذه القيم والأسواق منظومة ثقافية إصلاحية جديدة.. وعي إصلاحي جديد وكذلك عادات وتقاليد وعلاقات اجتماعية، أسلوب حياة وشعر وفنون وروايات ومسرح وسينما وموسيقى تستمد وجودها وازدهارها من هذه المنظومة الثقافية. وهذه الثقافة تنشئ موارد جديدة وأسواقا جديدة كما تعظّم وتحمي الموارد والأسواق القائمة. وفي هذا الازدهار تنشأ مدن وطبقات ومصالح ناشئة تطور من جديد السياسة والاقتصاد والثقافة فتنشأ أسواق وموارد جديدة. وهذا ما يسمى ازدهارا وتقدما.
نحسن صنعاً، ونوفر الوقت والموارد، إذا بدأنا بمدن ومجتمعات مستقلة، وتعليم حر وعقلاني، وأن تنسحب الدولة نهائياً -بخيرها وشرها، واعتدالها وتطرفها، وتنويرها وظلاميتها- من الشأن الديني والثقافي، وتترك الناس يفكرون ويتساءلون، فيما تنشغل هي بتحسين المدارس والعيادات ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتكفّ عن الاستئثار بالفرص والموارد. وليس غير ذلك يوقف الفشل والكراهية.
السلوك الجمعي في بلادنا على المستوى الرسمي والمجتمعي والفردي يذكر بمقولة إريك هوفر اذا أصبت بالمغص فإنك تفكر في إنقاذ العالم! لكن سيظل زجاج المدارس محطما، والحمامات العامة في حالة مأساوية، والشوارع مرعبة، والعيادات من غير أطباء ومليئة بأدوية لا يحتاجها أحد؛ وإن اشتريت بكميات هائلة تكفي الشرق الأوسط، وأما الأدوية التي نحتاجها فليست موجودة.

التعليق