أكثر من عاديين وأقل من مثقفين

تم نشره في الأحد 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً

تقتضي اللحظة الراهنة، الذهاب لمعالجات عميقة نقرأ فيها ما انتهت إليه سياقات الفكرة العربية عن التحضر والتمدين والوحدة والأمة والتقدم والنهوض، وما إلى ذلك من مقتضيات، تنتشلنا من الحضيض.
في هذا المقام، يستدعى المثقف كـ"رافعة" واعية، أساسها الاحتفاء بالتنوير والعمل عليه، والانهماك في مشروع حضاري، لتمهيد الطريق للمجموعة، لتتمكن من دخول العصر، والمشاركة في حركته التي أضحت تتقدم بسرعة ضوئية.
فالمثقف، نبض مجموعته، رائيها ومحركها ووجدانها، وهو الفاعل الأكثر ديناميكية في صياغة تحولاتها، وانعتاقها من لحظتها الراهنة إلى لحظة متقدمة، مهمته ليست الوقوف عند منطقة عمل بذاتها، إنه انعتاق كلي للفعل، لا يمكنه أن يكون محركا من دون أن يكون رياديا ومتقدما الصفوف الأولى لصياغة مفاهيم جديدة، تغير المجموعة، وتنهض بها، وتسهم باجتراح معجزتها في التحول إلى ما يرتقي بها.
في هذا التصور، فإن المثقف العربي يبدو كليلا، بعيدا عن التحريك، وغير آبه بالتغيير، واقع في فخ الاستسلام لمآلات المجموعة، المتهيبة من تحريك أقدارها، والمتراخية عن النهوض، المسكونة بالترقب والتوجس، المرتهنة للماضي، والمكتفية باجتراره لتبرير وجودها، في انبتاتها عن الواقع.
المثقف العربي هنا، يتماهى مع المجموعة، ويغدو تفصيلا في كينونتها، لا مفصلا، ما يقوده لأن يدخل في نمطيتها القابعة في العادي واليومي والاستهلاكي.
إنه غائب تماما عن الحركة، وقدرته على التغيير مثبتة بمسامير حاجاته اليومية التي يطلبها أفراد المجموعة العاديين. صحيح أنه ليس "سوبرمان"، لكنه يقف بين السوبرمان والمختلف، فهو العقل الذي يتوجب عليه الانتقال من العادي إلى المناطق التي لم تطأها عقول المجموعة، أو ما تتهيب من لمسه.
ما يجري اليوم، هو أن المثقف العربي، لم يتزحزح عن جلوسه فوق درجة المنبر، يعظ، ولا يحرك ساكنا، يجلس بين كتبه وأوراقه وأبحاثه، مكتئبا، مختنقا بسجائره وقهوته المرة، يصنع ما يسميه بـ"المعجزة" أو "الفكر"، من دون أن يندفع جهة المجموعة، ويصدمها بما هي عليه من نمط، ويخلخل سكونها، ويبعث فيها روح التفاؤل والعمل والاندفاع نحو التغيير.
إنه مستسلم لما يسميه قدره، لا يملك القدرة على الفعل في ظل وجود السياسي الذي يضع القانون ويحرمه من الحركة، كما يزعم.
ما يزال مرتهنا للأعطية والمنحة والأجرة اليومية على العمل، لم يجترح فكرته حول استقلاله، وصناعة موارده التي تنأى به عن الجلوس مستسلما لما يطلب منه أو يوجه إليه مقابل أجر، أو تلبية لحاجة.
أصبح مثله مثل أي معلق اجتماعي على "فيسبوك"، مجرد عابر يستقيم أثره بضع ساعات ثم ينسى، وحركته محدودة، غير مؤثرة، كسيحة.
المثقفون العرب المؤثرون والمغيرون، مجرد وهم، لا شيء حقيقيا مما يصوغونه للوجدان العام، إنهم أكثر من عاديين وأقل من أن يكونوا مثقفين.

التعليق