نضال منصور

أوقفوا العنف ضد النساء

تم نشره في الأحد 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:04 صباحاً

تزامن برنامج "شباب توك" الذي عرضته القناة الألمانية "دويتشه فيله" عن حقوق المرأة في الأردن مع ذكرى اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، وهي مناسبة يحتفي بها الأردن مع كل دول العالم لتكريس واقع جديد ينصف المرأة، ويعيد لها الاعتبار، ويسعى لرفع الظلم الواقع عليها حتى في أعتى الديمقراطيات.
شاهدت حلقة البرنامج التي أثارت جدلاً واسعاً في الشارع الأردني، ولم أجد فيها كشفا للمستور، فكل ما أثير وقيل في البرنامج معروف ومتفق عليه وتقر به الحكومة قبل الحركات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان.
هل تنكر الحكومة بأن حقوق النساء ليست متساوية مع الرجال، هل تجهل أن مشاركة المرأة السياسية متواضعة، ألا تعلم بأن هناك فجوة جندرية بين الذكور والإناث، وتدرك ضعف مشاركة النساء في سوق العمل رغم تقدمهن بالتعليم الجامعي؟
لا أعتقد أن الحكومة تنكر كل هذه المعطيات والحقائق، لكن في مسألة حق إعطاء المرأة الأردنية الجنسية لأبنائها تقدم مبررات وذرائع سياسية، وهي تدرك أن ذلك لا يتفق مع الدستور ومع مبادئ حقوق الإنسان.
عرض هذه البدهيات الأساسية ضروري للتعامل مع الحالة الاتهامية التي سادت حلقة شباب توك، والهجوم غير المسبوق، والتكذيب لمعطيات واحصائيات معروفة، والتشكيك بأجندة البرنامج، واتهام المذيع بالانحياز وعدم الموضوعية، عدا عن عدم الإصغاء لآراء الأطراف الأخرى التي تجلس على طاولة الحوار والسعي للانتقاص منها.
كنت أتساءل وأنا أشاهد البرنامج، إذا كانت الحلقة موجهة والجمهور معد سلفاً لدعم توجهات معينة، فلماذا يشاركون في الحوار أساسا، ولماذا يتحملون وزر أن يكونوا شركاء في تشويه صورة الأردن كما يزعمون، كان الأجدى والأفضل أن يمتنعوا عن المشاركة حتى لا تتحول الحلقة لحلبة صراع، مع ضرورة الإشارة بإنصاف وتقدير إلى مداخلات المحامية الحقوقية هالة عاهد والإعلامية المميزة عروب صبح.
أعرف تماماً أن ما قيل ليست حالة استثنائية في إنكار حقوق المرأة وتجاهلها والالتفاف عليها عبر الحديث عن الحق السيادي للدولة، ولا أستغرب أبداً أن تكون هناك حواضن اجتماعية تعزز نظرة دونية للمرأة وتفرض ذكورية المجتمع.
أتوقع ذلك ولا أرى خلاصاً في القريب العاجل، وما يثير الأسى هو المساهمة في إذكاء حالة العنف ضد النساء، وفي إنكار تعرضهن للتحرش، وتكذيب من يحاول أن يعلي الصوت محذراً من انتهاكات مسكوت عنها.
اليوم تطيح قضايا التحرش الجنسي بنجوم وزعماء سياسيين في العالم، وتتحرك مؤسسات إعلامية وسياسية لملاحقة كل من يثبت ارتكابه جريمة التحرش حتى لو مضى عليها سنوات طويلة، وتخرج النساء وبعضهن مشهورات عن صمتهن للبوح بالجرائم التي ارتكبت ضدهن.
وبعد كل ذلك يأتي في الأردن من يحاول أن يقول إن الكلام عن وجود تحرش في بلادنا محض افتراء، ويوجه أصابع الاتهام للضحية التي تعلي صوتها بأنها السبب فيما حدث، هذا عدا عن تكذيبها، والتشكيك بهويتها، والإيحاء للمتلقي بأنها وراء "الغواية".
لمشكلة التحرش جذور ومحددات قانونية، وفي بلادنا الأهم الأبعاد الاجتماعية والثقافية والفكرية، فالتعديلات الأخيرة على قانون العقوبات عززت من منظومة الحماية للنساء من العنف، والمادة (306) من القانون وإن لم تذكر كلمة التحرش صراحة إلا أن التعريف يطال كل الأفعال والأقوال التي تعد تحرشاً، وهي بالتأكيد عالجت الكثير من الثغرات القانونية التي كانت سائدة سابقاً.
ومع ذلك فما أزال أعتقد أن منظومة حماية النساء من العنف ما تزال تحتاج إلى عمل وتعديل تشريعي، فمثلاً قانون العمل لا يحمي المرأة العاملة من التعرض للتحرش، ويقتصر الأمر في المادة (29) على إعطاء كل من يتعرض لاعتداء جنسي من صاحب العمل أو من يمثله ويترك العمل الحق بالمطالبة بحقوقه والتعويض.
تتعرض النساء كل يوم في الأردن للتحرش اللفظي والجسدي، ويكتوين بنار الصمت، لأن ظلم المجتمع سيف لا يرحم حتى ولو افترضنا جدلاً أن القانون سوف ينصفهن.
قضيتنا أكثر تعقيداً من تعديل القانون وعبر عنها برنامج "شباب توك" بعرض آراء لشباب يعلنون معارضتهم لعمل المرأة ليلاً، والتهديد بقتلها إن فعلت لأنها تمثل "شرف" العائلة، هؤلاء لا يعترفون بكيان المرأة وأهليتها وحقها بأن تقرر مصيرها وحياتها، ويتعاملون معها كجسد وعورة، وأنهم أوصياء باسم التقاليد والعشيرة على كيان وإرادة وروح هؤلاء النساء.
لم يكشف برنامج شباب توك المستور، ولكنه كشف عن ظلام العقول الدامس الذي يعيشه البعض ويريد للمجتمع أن يغرق فيه، وهو ما يدفعنا للصراخ... أوقفوا العنف ضد المرأة، أوقفوا التمييز ضدها وأنصفوها، وأوقفوا هؤلاء الذين يتباهون بامتهان كرامة النساء.

التعليق