القوة بمفهومها الخاطئ استنزاف مباشر للذات

تم نشره في الاثنين 4 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

ربى الرياحي

هي لكل من عرفها قوية صارخة محتجة معادية تتفنن في إظهار أساليبها الهجومية لمن حولها. لكنها عندما تهدأ تبرر تلك الانفعالات بطريقة التربية ولطبيعة شخصيتها التي لا تقبل إلا أن تكون ثائرة دائما صلبة أمام كل الأزمات التي تواجهها.
مناقشتها في هذه النقطة بالذات تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة تجد أن صوتها العالي وقدرتها على الاعتراض بدون أن تخاف أو تحسب حسابا لأحد يدعم موقفها ويجعلها أكثر ثقة بنفسها، كما أنه يقربها من أهدافها التي تعتقد أنها تتحقق فقط بالتعدي على الآخر وتجريحه بدون أن يكون هناك سبب واضح لذلك.
تحارب على كل الجبهات وتتجاهل أن ذلك بالتأكيد يخسرها الكثير ويستنزفها من الداخل ويخلق لديها تعنتا غريبا برأيها حتى لو لم يكن صحيحا.
لا تكترث على الإطلاق بمشاعر أحد ولا تفكر أيضا في  حجم الألم الذي تتركه خلفها كلما قررت أن تلقي بغضبها هنا وهناك بشكل عشوائي وتحت ذريعة أن هذا هو منهجها لا يمكنها تغييره.
كثرة العداوات والنفور من التعامل معها حتى على الصعيد الإنساني ليس كافيا في نظرها لتتنازل قليلا عن طباعها الحادة المنفرة، وتلك القسوة غير المنطقية التي ترتبط عندها بقوة الشخصية، وكأن عليها أن تشتم وتناكف وتتطاول على كرامة الآخر لتظهر بمظهر المرأة القوية الواثقة من نفسها.
والغريب أنها تسعد كثيرا بأن تكون نقطة خلاف يثار حولها الجدل حتى لو سيصدر في حقها أحكام قاسية تدين سلبيتها وفهمها الخاطئ لفكرة القوة.
هي في حقيقة الأمر تعتمد بشكل أساسي على صوتها العالي، الذي تعتبره سلاحها الوحيد للدفاع عن أفكارها وقناعاتها تصر على أن تتعامل بشخصيتها المباشرة العدائية التي تنقصها على الأغلب الثقافة الراقية والأسلوب الحواري المتزن.
كم هو صعب أن نجبر على التعاطي مع أشخاص مندفعين بانفعالاتهم لا يبالون أبدا بتلك الكلمات الموجعة التي يطلقونها تجاه الآخر، والتي أيضا قد تتجاوزها لتصبح أفعالا تترجم فقط الجانب السلبي من القوة.
كثيرون ممن حولنا يدعون القوة ويختبئون خلف قناعها ويتظاهرون بمعرفتهم لكل حيثياتها وأساليبها ويصرون على أنهم الأجدر بتجسيدها واقعيا حتى وإن فقدوا احترامهم لأنفسهم وخسروا علاقات من الصعب تعويضها.
احتماؤهم خلف ستار القوة بدون أن يعطوا لأنفسهم مساحة للتفكير بتلك المضامين الإنسانية التي ينبغي التمسك بها يجعلهم يسيئون التعامل مع من حولهم، ويبحثون في المقابل عن مفردات تظهر مدى عنفهم وتسلطهم وسطحيتهم تجاه مواقف تحتاج منهم لأن يكونوا أقوياء بأخلاقهم وبقدرتهم على استيعاب الآخر حتى يتمكنوا على الأقل من البقاء ضمن ذلك المسار الذي يستند على حقيقة تجاوزهم للتهور، لكونه يمنعهم من رؤية الصورة جيدا، ويتسبب في توريطهم في مشكلات لا تنتهي، تبعدهم في الغالب عن رغبتهم في إعادة النظر في كل ما مضى وتحديدا تلك الأفكار القائمة على أن القوة تعني أن يعيشوا في حرب دائرة تتأجج نارها بدون أن يكون هناك أي مسوغ مقنع يفسر اللبس الحاصل ويقدم احتمالات أخرى من شأنها أن تغير كل الأساليب المفروضة قصرا بدافع القوة.
مثل هؤلاء يخشون أن يتراجعوا عن خطئهم، ويحاولون جاهدين حشد كل الأدلة التي تدعم موقفهم ولجوءهم الدائم لتلك الأسلحة اللاإنسانية، لا يقبلون التنازل أبدا مهما كانت الأسباب، لأن ذلك من وجهة نظرهم ضعف واعتراف صريح بالهزيمة.
لهذا السبب هم يجدون أن عليهم التسلح بردود فعل عنيفة تفوق غالبا ردة الفعل الطبيعية، والتي من المفروض أن تأتي متوائمة مع الحدث، أو حتى سوء الفهم الناتج عن خلط في الأوراق إزاء أي حقيقة تطرح.
كما أنهم يعتبرون الصمت قرارا استفزازيا يقضي على حقهم في أن يكون لهم موقف شخصي من اختيارهم، يعكس بالدرجة الأولى رؤيتهم الخاصة لكل ما يجري هناك على أرض الواقع. ويتجاهلون أن الصمت أحيانا قد يكون دليل قوة باعتباره خيارا يتم فيه ضبط للأعصاب والسماح للآخر بمحاسبة نفسه على أي خطأ يرتكبه.
القوة باختصار هي أن تعرف كيف تسترد حقوقك بدون أن تتبرأ من أخلاقك ومن تلك المزايا الإنسانية التي تصنع منك شخصية مؤثرة برقيها وبدفء مشاعرها.

التعليق