التنفس.. أداة تمنح ممارسيها السعادة والشباب الدائم

تم نشره في الأربعاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • ميكانيكة التنفس ترتبط بالمشاعر والعقل وهي من أهم العناصر التي تشكل الوعي الإنساني-(أرشيفية)

عمان- التنفس هو الصلة التي تربط ما بين الجسم والعقل، فإذا كان العقل طائرة ورقية، فإن الخيط الذي يتحكم بهذه الطائرة هو التنفس، وكلما كان الخيط طويلا تمكنت الطائرة من التحليق نحو أفق أكثر رحابة واتساعا.
هذه فكرة نيرة لأحد أفضل معلمي الحكمة، ورغم أنه يسكن في القارة الهندية إلا أن حكمته وصلت إلى أقصى بقاع الأرض، من خلال شبكة متطوعين يكرسون وقتهم وجهدهم ومعرفتهم لتعليم وتدريب الناس كيف يعيشون حياة طيبة، من خلال ممارسات ورياضات روحانية مثل التنفس والتأمل واليوغا.
لابد أن يتعجب الفرد في بادئ الأمر لتعدد تقنيات التنفس وتنوعها؛ حيث إن كل تقنية تهتم بتعزيز جانب ما من جوانب حياة الإنسان، فهناك التنفس الذي يساعد على التركيز، وهناك التنفس الذي يساعد على التحرر من المشاعر السلبية، ورغم تنوعها واختلافها إلا أنها تعين الملتزم بها وتقويه إلى أن يخطو بقدميه ليصل إلى ساحل نهر التغيير الإيجابي، ومع الوقت تدفعه دفعا للعوم فيه والغوص في أعماقه، فيحظى بتجربة حياتية لم يتوقع أصلا وجودها.
‬‬ما يجعل تقنيات التنفس تؤثر على حياتنا هو ارتباطها بمشاعرنا، وتبعا لذلك تتأثر الحالة العقلية التي نختبرها، ذلك أن كل شعور له إيقاع خاص من التنفس، فمن لا يستطيع التحكم بمشاعره عليه الولوج إلى عالم التنفس وإتقان تقنياته، لأنه خلال التنفس يستطيع أن يضبط مشاعره، كما أنه يستطيع التخلص والتخفيف من وطأة الشعور بالغضب والغيرة والطمع بحيث لا تعد تتملكه، ما تحتاج إليه هو فقط أن تأخذ نفسا عميقا وتسمح لنفسك أن تتواصل مع ذاتك الحقيقية ومع الزفير يتلاشى كل ما يؤرقك ويزعجك، هكذا... بكل بساطة.
أولى خطوة ينصح بها هو أن تراقب تنفسك الآن، هل هو من النوع العميق أو السطحي؟ وتظهر لك الإجابة عندما تعي لأي مستوى من جسمك يصله هواء الشهيق؛ حيث تقسم عملية التنفس في الجسم إلى ثلاث مناطق: منطقة الصدر، البطن العلوي، والبطن السفلي، وعندما تأخذ شهيقا، فإن الأمر يشبه إلى حد كبير عندما تصب الماء في كأس أو كوب، بحيث يمتلئ الجزء السفلي أولا ثم يرتفع منسوب المياه إلى أن يصل للحافة، وحال الشهيق يشبه عندما تفرغ الكأس من الماء.
ماذا لو كان تنفسك سطحيا في غالب الوقت، هذا يعني أنك ترسل باستمرار إلى عقلك إشارة بأنك تعاني من التوتر، في هذه الحالة يفرز العقل هرمونا يساعدك على الاسترخاء لعلاج هذا التوتر، وهذا الهرمون للأسف أدمنه الإنسان العصري مما أثر على اختياراته وقراراته، فهو بشكل غير واعٍ ينجذب لكل ما يسبب له التوتر، ويخلق أجواء تثير قلقه لأنه ببساطة جسمه يتعطش باستمرار لهذا الهرمون، كما وجد أنه عندما يكون التنفس سطحيا يكون العقل سريع الإثارة والتهيج، وبالتالي تغيب الحكمة والبهجة المرافقة لها، أما إذا كان التنفس عميقا فالعقل لا يرى أنك بحاجة إلى مساعدته على التخفيف من توترك، لذلك ينصبغ العقل هنا بالهدوء والاتزان مما يؤثر على رؤيتك للأمور، حيث تصبح أوضح وقراراتك تصبح أكثر اتزانا.
مما سبق يتبين أن ميكانيكة التنفس ترتبط بالمشاعر والعقل، وهذه من أهم العناصر التي تشكل الوعي الإنساني؛ حيث إن مشاعر البهجة والسلام والحب تشير إلى ارتفاع وعي الفرد، مما ينعكس على حالته العقلية التي تتدفق منها الإنجازات والإبداعات ووضوح الرؤية، وهذا الأمر لا يتحقق إلا عندما يتحكم الإنسان بعقله الواعي وعقله غير الواعي كذلك؛ أي أن يكون هناك توافق واتفاق بينهما.
وبات التنفس الآن يشغل مراكز الأبحاث والدراسات في أشهر الجامعات العالمية، وقد تضمنت نتائجها أن للتنفس فوائد عدة: يتخلص الجسم من خلال التنفس وحده بما يعادل 90 % من السموم المتراكمة في الجسم، والتنفس هو أهم المصادر الحيوية التي تزودنا بالطاقة إلى جانب الطعام والراحة، كما أن التنفس يزيل أي معوقات قد تكون متواجدة في مسارات طاقة الجسم، مما يخلق مناخا انسيابيا وتوافقيا يجمع ما بين العقل والجسم والروح، ومع الوقت تتعزز مناعة الجسم ضد الأمراض وهجمات الفيروسات والبكتيريا، مما يتيح المجال لخلايا الدماغ والجسم لأن تتجدد وفق النظام الطبيعي الذي وضعه الله، وبالتالي كل من أتقن التنفس كأنه شرب من ينبوع الشباب الدائم.
والتنفس من الأدوات التي تكشفت للإنسان من التجربة أنها تمنح ممارسيه السعادة بدون أن يتكبد خسائر مادية للإقامة في أحد المنتجعات الصحية، ولا حتى تحتاج إلى جهد ملموس، سوى أن تجد لك مكانا هادئا تمارس فيه إحدى تقنيات التنفس، ويا حبذا لو أتبعه تأمل وسكون تام للأفكار.
مع الالتزام بالتنفس ومع مرور الوقت، سيعي عقلك للمعتقدات المعيقة ويبدأ بالتخلص منها، وسيعي جسمك العاطفي للمشاعر السلبية التي ترهقه ويبدأ أيضا بالتخلص منها، إلى أن تصل إلى حالة من الصفاء والاطمئنان الداخلي التام، مما ينعكس على عالمك الخارجي لترى الأمور على حقيقتها بدون أي مبالغة.
هناك آلاف من الأفراد أحدث التنفس تغييرا إيجابيا وتحوّلا في حياتهم، الأمر الذي دفعهم إلى المساهمة والمشاركة في نشر هذه الثقافة؛ أي ثقافة السعادة والحب والسلام ما بين الناس على اختلاف أصولهم وأعراقهم ومذاهبهم، ومع تضافر الجهود في كل مكان من العالم انتشرت فكرة "art of living" في كل أنحاء العالم‪،‬ ليصبح لها مراكز مهيأة في أكثر من 150 دولة، وتعتمد هذه المنظمة -غير ربحية- على مفهوم أن التغيير يبدأ من الفرد الواحد، وأن كل إنسان له الحق الكامل في السعادة، بل عنده القدرة الكافية في التأثير العميق على الآخرين، لذلك تجد هناك الآلاف من الأفراد الذين يعملون تحت مظلة هذه المنظمة تطوعا، دافعهم هو تجربتهم الذاتية، وحافزهم هو رغبتهم بمشاركة حلاوة السعادة أخوتهم في الإنسانية في كل مكان.
الأردن يحتضن واحدا من هذه المراكز وهو ينمو بخطوات مباركة وبمساهمة عدد كبير من المدرسين المؤهلين؛ حيث ينظم المركز دورات تدريبية تعلم نهج السعادة من خلال تقنيات التنفس المختلفة، مستهدفين بذلك فئة الشباب بشكل خاص، والمجتمع الأردني بكل فئاته بشكل عام.

رنا علاونة
متطوعة في منظمة "art of living"

التعليق