عيسى الشعيبي

سحر القدس

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:05 صباحاً


قبل الحديث عن سحر بيت المقدس الغامض الأخّاذ، وسوق الشواهد الدالة على الجاذبية الخاصة بزهرة المدائن، أود التعريج قليلاً على ما يعرفه المقدسيون ولا يشيرون اليه في حواراتهم مع الغير، كونه تحصيل حاصل ومن بدهية  البديهيات في مدينة الانبياء، خبره كل من اقام في المدينة المقدسة، او مكث فيها ردحاً من الوقت، وأعني به رائحة القدس المنبعثة من حجارة اسوارها وازقة اسواقها وحاراتها العتيقة، ليس في البلدة القديمة فقط، وانما ايضاً في كل ارجائها، وهي رائحة طيبة تعبق في الصدور، صبحاً ومساء، وليس لها مثيل في اي من المدن التاريخية المشابهة لها في العراقة والقدم والمقام.
كنت كلما استذكرت القدس وتحدثت عن رائحتها المميزة امام اناس لم يمروا مثلي بتجربة العيش في القدس عاماً على الاقل، كانوا يبتسمون بين مصدق ومكذب، معتقدين ان شدة الحنين الى هذه المدينة الفريدة في كل شيء، وفداحة الحس بالفقد والحرمان، هما اللذان خلقا لدي مثل هذا الشعور الغامض، ولذلك سأمنح القراء افضلية الشك بصحة هذا الحديث الوجداني، الذي أتت مناسبته اليوم، الى ان يتم اختبار جديته مع واحد او اكثر من المقدسيين في ديار الشتات، لعلهم يصادقون على صواب هذه الحقيقة المسلم بها دون نقاش، ولربما تطوع احدهم لتبيان مصدر هذه الرائحة المنبعثة من البخور او الزيت او من سوق العطارين وغيره من الاسواق.
أما عن سحر القدس فحدث ولا حرج، حدث عن المساجد والكنائس والقباب والاسوار، عن التاريخ الذي مشى في شوارعها مختالاً غير مرة واحدة، عن مكانتها الحضارية الخالدة، عن مركزيتها في الوجدان العربي والفلسطيني، عن قداستها بالنسبة لمئات الملايين من المسلمين والمسيحيين، عن قربها من باب السماء وعن المسرى والمعراج، وحدث من غير ملل عن الاقصى وقبة الصخرة، عن طريق الآلام وكنيسة القيامة، عن العهدة العمرية، ولا تنسَ التطرق الى حاضرها كعاصمة روحية سياسية ثقافية اقتصادية لا بديل لها ولا مثيل، تقع موقع القلب بالنسبة لحياة الفلسطينيين ويوميات معاشهم في الجوار.
سحر القدس ممتد وواسع في طول البلاد الفلسطينية وعرضها، وذلك امر طبيعي، الا انه يفيض عنها الى اطلس الجغرافيا الواصلة من اندونيسيا الى اقصى المغرب العربي، حتى ان هذا السحر الباتع يبدو فاعلاً اكثر لدى الذين لا يعرفون القدس الا من قبة الصخرة المذهبة، بمن في ذلك البعيدون عن ضفاف الارض التي باركها الله وبارك من حولها. وفي روايات بعض المسافرين، كثيراً ما كان يتبرك المسلمون في اواسط آسيا من القادم الى ديارهم من القدس، يلمسون ثيابه او يمسحون على جبينه، رغبة في التقرب الى الله، عبر من سار يوماً على ثرى بيت المقدس او في اكناف بيت المقدس، وفي هذا دلالة قاطعة على ما نسميه سحر القدس بكل تأكيد.
اذا كان في هذا الطرح شك، او كان فيه ما يبعث على الأخذ والرد، فإن ما تشهده بلاد العرب والمسلمين هذه الايام من مسيرات غضب واستنكار، ازاء اعتراف دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، هو الدليل بعينه على وجود هذا السحر، بل وعلى مدى تغلغله في  قلوب وعقول الملايين، الذين لم تحرك افئدتهم اي قضية اخرى من قضايا هذه الامة، على النحو الذي حركته القدس، رغم كل ما شهدته هذه البلاد من حروب ودمار، من بينها ازالة مدن من على وجه الارض، مثل الموصل والرقة، وغيرهما من الحواضر، لا سيما في العراق والشام.
وليس من شك في ان مبعث هذا السحر الخاص بمدينة القدس، كامن في القداسة الدينية بشكل رئيس، كونها القبلة الاولى وفيها ثالث الحرمين الشريفين، الا ان هناك ايضاً مكامن اخرى تعزز المقدس وتبني عليه، من بينها العاطفة الوطنية والذاكرة القومية، فضلاً عن الرمزية التاريخية لهذه المدينة التي احتلها الصليبيون في القرون الوسطى، ثم جرت حولها احدى اهم المعارك المثيرة للاعتزاز بقيادة صلاح الدين الايوبي، الامر الذي راكم من رمزية القدس، وجعل منها داراً عزيزة على قلوب العرب والمسلمين، وطوّبها مدينة ليس لسحرها معادل في هذه الديار الممتدة من الماء الى الماء.

التعليق