معايير التفكير الناقد وعائداته

تم نشره في الاثنين 15 كانون الثاني / يناير 2018. 12:08 صباحاً

لطالما عرّفت القارئ بهذه المعايير، ومع هذا ها أنا ذا أعيدها موجزة إليه، تمهيداً للحديث عن عائدات التفكير الناقد أو الشك الإيجابي أو الاستقصاء لمعرفة الحقيقة وفصل القمح عن الزوان فيما يقرأ أو يسمع أو يشاهد.
لقد وضع خبير تعليم التفكير الناقد الأستاذ ريتشارد بول سبعة معايير لا بد من التزام المفكر الناقد بها حتى يصح تفكيره الناقد أو يُسمع منه وهي:
التواضع المعرفي ويعني عدم ادعاء المرء بأكثر مما يعرف بالفعل.
الشجاعة العقلية وتعني التعامل العادل مع الأخطاء والمعتقدات ووجهات النظر التي يكن لها المشاعر السلبية.
التقمّص العقلي وتعني وضع المرء نفسه في أمكنة الآخرين وظروفهم كي يفهم وجهات نظرهم ومواقفهم بصدق وأمانة.
المثابرة العقلية وتعني إرادة المرء ووعيه بضرورة الاهتداء إلى الحقيقة مهما كلفه ذلك من جهد أو واجهه من صعوبات وعقبات وإحباطات.
الإيمان بالعقل وتعني ثقة المرء الكاملة في العقل، وبأنه في المدى الطويل يمكن خدمة مصالحه العليا ومصالح البشرية جمعاء عن طريق توسيع مطرد لدوره.
الإنصاف ويعني معاملة المرء جميع وجهات النظر بصورة متساوية.
الانسجام أو الكمال ويعني اعتراف المرء بالحاجة إلى أن يكون صادقاً مع تفكيره ومنسجماً مع المعايير التي يدعيها والأدلة والبراهين القاسية التي يطبقها على خصومه أو يطلبها منهم.
يقول الفيلسوف المعروف رينييه ديكارت: "لا يكفي أن تملك عقلاً جيداً، بل المهم أن تستخدمه كله"، وأفضل استخدام له تبني موقف أو اتجاه يقوم على الشك الإيجابي أو التفكير الناقد أو الاستقصاء، في الحياة اليومية. فبواسطته تنخفض الأخطاء العقلية، وتزداد الكفاءة والسلامة.
"لا شيء يستطيع توفر حماية لك من الضرر أكثر من التفكير الناقد، ولا مزيد من فرص الرضا الشخصي والمهني أكثر منه"، كما يقول جاي .بي. هاريسون في كتابيه عن التفكير والتفكير الجيد.
إن الفشل في معرفة المرء لعقله دليل على جهل خطير ودلالة على التفكير السيئ الذي يصدر عنه، وهو الوباء الخفي أو الطاعون الذي تتجاهله الثقافة العامة.
اعلم أنك إذا جمعت بين التفكير الناقد أو الشك الإيجابي وتقدير العلم وفهم للعقل، فإنك ستفكر بصورة جيدة، وليس فقط امتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة حول كل شيء، بل وقبول غياب أجوبة أيضاً.
إن كثيراً من الناس يصدقون أو يؤمنون قبل ان يفكروا. إن قلة من الناس يفكرون أولاً أي يناقشون كل الادعاءات والأوهام أولاً ثم يؤمنون. إن هؤلاء يقدسون قيمة الحاجة العظمى للتفكير الناقد. إنهم يطلبون الدليل ويبحثون عن المنطق والعقلانية قبل قبول الادعاء.
واعلم كذلك أنك لا تحتاج إلى اختبار أو امتحان مسبق لامتلاك مثل هذا التفكير. إن كل ما هو مطلوب منك لحظة صدق ووضوح وقرار عقلي ذاتي لتبني التفكير الناقد أو الشك الإيجابي. وبدون هذه النقلة كما يقول هاريسون ستظل تشكو من قراراتك وأغلاطك التي قد تكون كلفتها بسيطة أو قد تكلفك كل شيء، ومن وضع اللوم على الحظ السيئ أو على أعدائك، أو نسبتها إلى السماء.
إن اعتقادك أنك عقلاني وأن عقلك الواعي تحت سيطرة إدراكك وقراراتك هو في حد ذاته أكبر الأوهام. وقد قيل: "كل واحد يعتقد أنه الأعقل وهو السبب في كثرة المجانين".
إن التفكير الناقد هو خط دفاعنا الأول في حياتنا اليومية ضد الزيف والاستلاب؛ فبدونه نصدّق الطب البديل، وأوهام الأعشاب الطبية، أو زيت الحية في الشفاء، فهذا أو ذاك يقول لك: لقد شفي فلان من السرطان بوصفة فلان، أو من السكري بخلطة فلان، أو من الديسك بالإبر الصينية، وأنت تصدق لأنك لست مسلحاً بالتفكير الناقد ولم تطلب الدليل.
إنس معرفتك ومعلوماتك الواسعة والشهادات الجامعية الكثيرة التي حصلت عليها فهي لا تكفي، لأن التفكير الجيد يكون بالأداء لا بالمعلومات أو المؤهلات. التفكير الناقد ليس هو الذكاء أو التعليم في نطر هاريسون. إنه جماع الوضوح العقلي والرشاقة العقلية والدينامية. إن كل شيء نخبره هو في الحقيقة تفسير عقولنا لعالمنا. إن تحيزاتنا المزروعة فيها تمنعنا من رؤية هذا العالم بصورة صحيحة. نراها بالصورة التي تتفق مع معتقداتنا المسبقة. ولكن المشكلة أو المأساة رؤية بعض الناس لأصحاب التفكير الناقد كتهديد لوجهة نظرهم، فيحاربونهم ويتهمونهم بتهديد الأوضاع المستقرة.
تصور أيها القارئ العزيز النتائج الإيجابية الهائلة "لو صار لهذا التفكير المكانة نفسها التي للماء النقي، أو للرعاية الصحية، أو للتغذية الجيدة في المدرسة والمجتمع".

التعليق