عقيدة ترامب

تم نشره في الثلاثاء 23 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

معاريف

زلمان شوفال  22/1/2018

قرار الرئيس دونالد ترامب تأخير استئناف العقوبات الواسعة على إيران، وبدلا من ذلك الفرض الفوري لـ 14 عقوبة جديدة على شخصيات وهيئات إيرانية مسؤولة عن المس بحقوق الإنسان في الدولة وتفعيل جهات إرهابية وعلى رأسها حزب الله، هو دليل على أنه في ختام السنة الأولى من قيامها، بدأت الإدارة في بلورة استراتيجية سياسية شاملة وبراغماتية. في موضوع إيران مثلا، إلى جانب السعي إلى سد طريقها إلى السلاح النووي، هناك اعتراف بان هذا يستوجب أيضا موقفا من الواقع السياسي الداخلي والدولي.
لقد وقف المحللون في حينه منذهلين في ضوء تصريحات ترامب في حملة الانتخابات. ولا سيما كان لاذعا شعار أميركا اولا، الذي بدا وكأنه ينسخ الشعار الانعزالي للمعسكر المؤيد للنازيين في أميركا عشية الحرب العالمية الثانية. وحتى لو كان الآن وضوح أكثر بالنسبة لإيران، فما يزال يتبقى مجال لتغييرات بعيدة الأثر في مجالات مختلفة. هذا ما يفترض أن توفره الوثيقة التي تقع في 55 صفحة وتسمى استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، والتي نشرت مؤخرا والتي يمكن أن نرى فيها عقيدة سياسة الخارجية والأمن لترامب.
تكرس الوثيقة مقاطع قصيرة لبؤر مختلفة في السياسة الخارجية، وما يمر كالخيط الثاني فيها جميعها هو النهج القاطع "لتسمية الولد باسمه". هكذا مثلا، روسيا، وبالاساس الصين، توصف كخصم يحاول "المس بقوة، مصالح ونفوذ أميركا ويحاول سحق أمنها وازدهارها الاقتصادي"، وليس كشريك أو منافس في نظام اقتصادي عالمي. وقيل أيضا إن هذا الوضع "يستوجب من الولايات المتحدة اعادة التفكير في سياستها في الماضي.. التي قامت على اساس الفرضية المغلوطة بان المشاركة مع خصومها، ضمهم إلى اطر دولية واشراكهم في التجارة العالمية سيجعلهم لاعبين نازيين وشركاء مصداقين".
ومع أن الوثيقة تبحث في الاساس في مسائل سياسية وأمنية، وعلى رأسها الأمن الداخلي، فإنها تشدد على العلاقة بين أميركا قوية اقتصاديا وبين تحقيق شعار "إعادة أميركا إلى عظمتها". وبخلاف الادعاءات التي اطلقت في حينه ضد الميول الانهزامية المزعومة لترامب فان هذا الشعار يشدد عمليا على حقيقة أن أميركا مزدهرة تعظم أيضا أمنها ومكانتها الدولية، وبالعكس – القوة الأمنية والسياسية هي شرط للقوة الاقتصادية. وبالتالي فان السياسة الداخلية والسياسة الخارجية هما وجهان لعملة واحدة.
من بعض النواحي، فان الوثيقة هي ما تزال بمثابة "عمل متواصل" بحيث أنه في الموضوع السوري مثلا تعاني بوضوح من نقص من حيث الاستراتيجية العملية التي تسعى الإدارة إلى اتخاذها وبشكل ملموس لا تختلف كثيرا عن نهج أوباما في هذا الشأن. صحيح انه قيل ان أميركا ستعمل على انهاء الحرب الأهلية "في ظل خلق الظروف لعودة اللاجئين وضمان حياتهم"، ولكن لا يوجد موقف من "الاستيطان الدائم" لروسيا في الدولة أو من السيطرة الإيرانية على اجزاء فيها من خلال جهات مختلفة.
وماذا عن إسرائيل؟ صحيح أن الوثيقة لا تخصص مكانا كبيرا جدا لشؤونها، ولكن القول إن سبب المشاكل التي تعصف بالمنطقة ليس إسرائيل بل التهديد المحدق من ايران ومن منظمات الارهاب الجهادية هو قول ايجابي وثوري، بحيث أنه وضع حدا للادعاء الدارج على لسان ادارات سابقة بان النزاع الإسرائيلي الفلسطيني هو السبب الاساس لغياب السلام والاستقرار في الشرق الاوسط.
الجنرال هاربرت ماكماستر، رئيس مجلس الأمن القومي وعلى ما يبدو أنه هو الكاتب الرئيس للعقيدة يسمي سياسة ترامب الخارجية "واقعية براغماتية"، ومع ذلك لا يغيب عنها البعد القيمي التقليدي الذي ميز أميركا في الماضي، وهجر في عهد أوباما ووصل إلى درك اسفل غير مسبوق في اعقاب عدم الرد على استخدام نظام الاسد للسلاح الكيميائي. وبالمقابل فان اعتراف الرئيس بالقدس كعاصمة لإسرائيل هو دليل مقنع على نهج يدمج القيم مع البراغماتية.

التعليق