علاء الدين أبو زينة

الفن والموسيقى والرياضة في مدارسنا..!

تم نشره في الأحد 4 شباط / فبراير 2018. 12:07 صباحاً

خبر سار في سيل الأخبار غير السارة أن تعيد وزارة التربية والتعليم في الأردن "النشاطات اللامنهجية" إلى مدارسنا. وقد أعلن وزير التربية والتعليم في مقابلة حديثة أنه في "العام الدراسي القادم ستكون 20 % من فترة الدوام المدرسي مخصصة للنشاطات، وذلك بعودة الفن والموسيقى والرياضة للمدارس".
 وهي "عودة" لأن هذه الأنشطة المهمة كانت تحظى بحيز معقول في المدارس هنا منذ بضعة عقود قبل أن تُهمَل. ونذكر من مدارس السبعينيات حضور الأنشطة الرياضية وإقامة المسابقات والمباريات بين المدارس. وأتذكر يوماً رائعاً شهد إقامة مسابقات لألعاب القوى المدرسية في ستاد عمان في المدينة الرياضية. وكان ذلك خروجاً جميلاً على رتابة المدرسة، وقضاء سحابة اليوم في مشاهدة وتشجيع رياضيي مدرستنا في مسابقات الركض والقفز الطويل والعالي، ورمي الرمح ودفع الجلة وغير ذلك.
وكانت تقام أيضاً دوريات لكرة القدم والطائرة والسلة بين المدارس. وكانت حصص الرياضة تؤخَذ على محمل الجد في مدرستنا، حيث يوزع المعلم المحترف عدداً من الكرات وأدوات الألعاب الأخرى، ويعلمنا قوانين الألعاب ومهاراتها الأساسية، ثم نتوزع في فرق حسب الرغبة بعد تمارين الإحماء. ومن هذه الحصص تتشكل الفرق ويبرز الموهوبون في الألعاب الفردية والجماعية.
وفي حصص الفن، كان لدينا أساتذة رسم محترفون، يوزعون الدروس بين المادة النظرية، عن نظرية الفن ومدارسه وتاريخه وأبرز الفنانين العالميين، وبين المادة العملية: عن الألوان الأساسية والثانوية، ومزج الألوان ورسم الأشكال والنور والظل، باستخدام الأدوات الحية. وكانت الموسيقى هي الغائبة، لأسباب ربما كان منها عدم وجود معلمين موسيقيين محترفين في ذلك الوقت لقلة وجود الأكاديميات، وصعوبة امتلاك الطلبة آلات موسيقية لارتفاع أثمانها النسبي، وبالتأكيد وجود نظرة اجتماعية متخلفة إلى الموسيقى وممارستها في تلك الأوقات.
لا يمكن وصف أهمية هذه النشاطات اللامنهجية في عُجالة، لكن العناية بها في المدرسة وتخصيص الوقت والخبرة والموارد يمكن أن تغيِّر –حرفياً- مستقبل الآلاف من الناس. ولو تمّ اكتشاف المواهب والقدرات في المجالات الإبداعية عند الطلبة، وتوجيههم إلى تطويرها بشكل منهجي، فإن الكثيرين منهم سيحترفون ما يبرعون فيه، ويكون إنتاجهم فيه مميزاً كما ينبغي. وأستطيع أن أعُدّ، من تجربتي الخاصة، أشخاصاً كثيرين عرفتهم ممن كانوا موهوبين بالفطرة في الرسم أو الموسيقى أو الرياضة أو الغناء، لكن مواهبهم ذوت واختفت حين لم تتعهدها يدٌ بالرعاية، وتركت لهم الحسرة وحرمت البلد من طاقاتهم التي ظلت في منطقة الإمكان ولم تتحقق.
وحتى لو لم يحترف المرء العمل فيما يوافق موهبته في هذه المجالات، فإنَّ شيئاً في العالم لا يضاهي حوار المرء مع آلة موسيقية يعرف كيف يُنطِقها، أو مع ريَشِه وألوانه ولوحاته التي يعلقها على حيطانه، أو مع كرته أو أداته أو لعبته الرياضية وهو يتمرَّن. فكل هذه وسائل بديعة لتفريغ الانفعالات وتنقية الروح بالتفاعل مع الجماليات. ولا يمكن لمَن يفاوض الجمال أن ينتج الخراب أو الكراهية والموت، على طريقة "حامل المسك".
سوف يقول الكثيرون من الناس شيئاً من قبيل: كنتُ أودُّ لو أني تعلمتُ عزفَ العود؛ أو كنتُ أتمنى لو استطيعُ أن أرسم أو أصنع شيئاً جميلاً من أشياء البيتِ. وسيقول آخرون: لو أنني وجدتُ أحداً يُعنى بموهبتي المبكرة لأصبحت لاعب كرة قدم واعدا. والافتراض أن المدارِسَ إذا عُنيَت بإشغال طلبتها بهذه الأنشطة، فإنها ستتيح للمواهب الغريزية فرصة البروز والتطور. وحتى غير الموهوبين بالغريزة، يستطيعون أيضاً أن يتعلموا شيئاً يمرِّنُ الروح والجسد.
الخوف هو أن تُعامل هذه الإرادة الجديدة لإحياء الأنشطة المدرسية غير المنهجية بغير جديّة، وأن يتحول الوقت المخصص لها إلى مجرد تضييع للوقت ومجاملة غير مخلصة لرغبة علويّة. ولتجنب ذلكَ، يجب أن يُجنَّد لتدريس التربية الموسيقية والفنية والرياضية محترفون محبُّون لما يفعلون، وقادرون على نقل عدوى الحب إلى الطلبة. ففي النهاية، قد يكره المرء شيئاً لا يفهمه ولا يقيم علاقة ودّ معه إذا لم يحبَّ ناقله. ويجب أن لا تبخل وزارة التربية أيضاً في توفير الأدوات واللوجستيات ومساعدة المواهب الواعدة على التطور والإمكانيات الإبداعية على التحقق. وسوف يغير ذلك بعض الأقدار إلى الأجمل، ويرتقي بثقافة البلد ووجهه الحضاري. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع (عوده)

    الأحد 4 شباط / فبراير 2018.
    خبر سار فعلا , أن تخصيص وقت لمثل هذه النشاطات سيحقق نتائج غايه في الأهميه , فمن الفائده العمليه لكل الطلاب , ثم اكتشاف المواهب وأخيرا تحبيب المدرسه للطلبه وكسر الجمود المحيط بها . الى الأمام سيروا ...