التعبير والفضاء الافتراضي

تم نشره في الأربعاء 7 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 7 شباط / فبراير 2018. 12:52 صباحاً


كما هو معروف، يمر مجتمعنا في علاقته بالفضاء الافتراضي بمرحلة فيها الكثير من الإرباك، تصل حدود التخبط والفوضى والأزمة، وبالذات فيما يتعلق بالتعبير عن الآراء والمواقف، والتي يغلب عليها الطابع الانطباعي والانفعالي المبالغ فيه في أحيان كثيرة.
لقد خرق هذا الفضاء الجديد الحدود التي كانت قائمة بين العام والخاص، بين اللائق وغير اللائق، وبين المسموح والممنوع، وبين الهو (Id) والأنا العليا (Super-ego). كما أتاح أحقية أو "ملكية" التعبير للجميع بدون أي استثناءات من أي نوع، والتي كانت حكراً لحقب طويلة على نخب بعينها، فخلق حالة جديدة وبعداً لم نألفه من قبل في علاقتنا بالخطاب وفي ديمقراطية التعبير وحريته.
وإن كان مثل هذا التطور المهم في تاريخ علاقتنا بالخطاب المكتوب والمحكي، المقدم بالحرف والصورة، يسرّ نفرا كثيرا من الناس، فإنه يزعج وينفر نفراً آخر، بالدرجة نفسها. وبالذات في زمن أضحى فيه للخطاب والسرد قوة تكاد تكون غير مسبوقة؛ قوة الماكينة العسكرية.
أما مردّ المسرة هنا فليس بحاجة إلى تفسير أو تبرير، فالبشرية تنحاز فطرياً وعقلياً، لاشعورياً وشعورياً، إلى حرية التعبير، والتي أعلى من شأنها العديد من الدساتير والمواثيق والشرائع الإنسانية.
والعديد منا يقف مع هذه الحرية، ويدافع عنها بلا هوادة، إيماناً بأنها حق لا منّة، بصمة لا وصمة. فهذا فضاء أتاح نوعا ما دمقرطة المساحات العامة، ودمقرطة الأصوات والمواقف والحراكات والتوجهات ودمقرطة الحريات، فأتاح مساحات كافية لأصحاب الأقلام الحارقة وأصوات المهمشين والمنسيين.
في البدء كانت الكلمة، واللغة هي ما يميز البشر عن غيرهم من المخلوقات، ولا بد من إطلاق العنان للكلمة، ولكل نعمة كلفة لا بد من تحملها.
أما سبب النفور والانزعاج، فيعود إلى أن البعض قد أسرف بالكلام، وخانه التعبير، وفرّط بمكانة اللغة وحملها ما لا تحتمل، من إسقاطات وتشوهات سردية هي أقرب إلى التنفيس عن العقد وتفريغ الضغائن والأحقاد، منها إلى الإفصاح عن رأي أو التعبير عن موقف. فخصخصت اللغة في تلك الحالات لتصبح مخزونا للرغبات وردات الفعل اللاواعية والدوافع المكبوتة.
و"خيانة" التعبير أمر مقلق، ليس لمن هو في السلطة فحسب (أي سلطة على اختلاف مستوياتها وأبعادها، سياسية كانت أم اجتماعية) والذي لم يعهد أن يوضع أداؤه تحت المجهر ويتحدث الناس بجرأة وصراحة غير معهودتين عن كل شاردة وواردة إزاءه وإزاء ما يفعل. بل هي مقلقة لمن يؤمنون بـ"سلطة" اللغة وسيادة التعبير، وجوهر الكلمة وجماليتها "ووجدانها"، والاحتكام إلى العقل والمنطق والنهج المنظم، واللياقة الخطابية واللباقة؛ لاسيما وأننا أمة ميزها فن الكتابة والخطابة، قديماً وحديثاً. وهذا هو الأهم.
عندنا إشكالية إذن، في هذا العالم الافتراضي الذي هو كالمحيط مترامي الأطراف أو كالكون الشاسع، ليس فقط بين حرية التعبير بلا حدود والتعبير بحدود، كما هو معروف، بل بين سلطة اللغة وسطوة مستخدميها عليها، بين هيبة جمالية التعبير وإسفاف المُعبّر، وبين حسن الاستخدام وسوئه؛ والتي أثيرُ في هذه المقالة.
ولا بد من دراسة هذه الإشكالية في محاولة لفهمها وسبر غورها من ناحية، ثم إجراء حوار معمق حولها من أجل تمكيننا من التوصل إلى حلول، تتيح المجال للتعبير الحرّ بدون التفريط بحرية التعبير، والتي هي مهددة اليوم بفعل من يحاول تقييدها من جانب ومن يحاول تذويبها، جهلاً أو قصداً، من جانب نقيض.
معروفة ومدروسة مسببات التقييد والتكبيل لأننا ألفناها لقرون، لكن أسباب التمييع والتذويب بحاجة إلى وقفة متأنية.
لا يتسع المجال هنا للبحث المُفصل، بيد أنني سأذكر ببعض المسببات، على سبيل المثال لا الحصر.
أولها أن افتراض البعض بأن الفضاء الجديد الذي نتحدث فيه هو فضاء "افتراضي"، قد يكون ذاته افتراضاً خاطئاً. يبدو أن المسمى في أبعاد كثيرة قد خاننا وقد ورّط كثيرا من الناس، لأن هذا العالم الافتراضي الذي يسرح البعض ويمرح فيه تحت وهم عدم "حقيقيته"، يقعون في المحذور، هو عالم حقيقي مثله مثل عالمنا؛ ومثله مثل عالمنا يخضع لقواعد وأصول لا بد أن تراعى.
ثانيها يرتبط بجِدّة هذا الفضاء. كم عمر هذا الفضاء الجديد، مقارنة بقرون وألفيات من عوالم قديمة؟ لا مقارنة. لعلنا دخلنا فيه بلا تحضير أو تهيئة أو إعداد. هل المشكلة إذن تكمن في عدم الأهلية؟ للإبداع في أي رياضة لا بد من تدرب شاق يفضي إلى مهارات متقنة ولياقة بدنية عالية. هل أعطينا أنفسنا الوقت الكافي لنطور المهارة اللغوية واللياقة الذهنية والوجدانية اللازمتين لخوض غمار هذا الفضاء؟ هل هيأنا أبناءنا وبناتنا بالذات (وهم الأكثر استخداماً له) للتعامل معه بكفاءة واقتدار؟ سؤال بحاجة إلى بحث.
ثالثها قد يرتبط بالظروف الصعبة الصادمة التي يعيشها الناس في هذا الجزء من العالم. لا نقصد هنا الظروف المعيشية فقط، أو فوضى الفضاء الاجتماعي وغياب ثقافة القانون وثقافة المواطنة وتفشي المخالفات والمحسوبية والفساد، أو الإحباط من نتاجات العمل السياسي والبرلماني والاقتصادي والتربوي وغيره؛ بل يتعدى ذلك إلى الخطاب العام السائد في هذا الفضاء الذي يحملنا عبئا وحملا كبيرا لتشوهات الصور المتناقلة عنا. فتارة علينا التعايش مع خبر "إرهابنا الديني والثقافي" والتكيف معه وترديد كل مصطلحاته ومفرداته للدفاع والتبرير للعالم ولأنفسنا أننا لسنا هكذا. وتارة أخرى نستيقظ على كابوس مؤامرات تفتيت للعالم العربي وهويته لنتعايش مع حال الإقليم الملتهب والمتخبط والمتشظي. ومن ثم علينا  الهرولة وراء التصنيف العالمي الذي وضعنا في أزمة تنافس مع دول متمكنة ومتقدمة اقتصاديا وموارديا لتصنيف جودة ونوعية مواردنا ومخرجاتنا. وعليه، ليس علينا مواجهة حقائق هذا التصنيف فقط، ولكن أيضا تقبل تواضع تصنيفاتنا العالمية. إحباط ما بعده إحباط. ومن ثم تأتي الصدمة وليس آخرها القرصنة التي تعرضت وتتعرض لها القدس وفلسطين.

والسؤال هنا: هل أفقدنا إحباطنا، هل أفقدنا عجزنا، هل أفقدتنا صدماتنا، لباقتنا ولياقتنا التعبيرية؟ هل تركنا هذا التراشق المتتالي من الأحداث المريرة بمرارة في الموقف وحرقة في الكلمة والتعبير؟ هل الحجم المهول من المشاهدات اليومية للمآسي وتعثر العدالة كفيلان بتغييب حسنا ووجداننا بعدالة حوارنا وتواصلنا في هذا الفضاء؟ فتغولنا على بعضنا البعض كما تغولت علينا الصدمات المتتالية.
وهنالك الرابع والخامس والسادس من المسببات التي لا مجال للخوض فيها هنا.
باختصار هذه دعوة للبحث في حيثيات الفضاء الافتراضي الذي داهمنا بدون سابق إنذار، وفي أفعالنا وردود فعلنا فيه، وفي طرق التعامل معه، في محاولة لإيجاد حلول لإشكالية علاقتنا به وعلاقته بنا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعبير (انور محمد الضمور)

    الأربعاء 7 شباط / فبراير 2018.
    شكرا استاذه وفاء الخضراء على هذا المقال النموذجي المتكامل واللذي يدور حول فلسفة وحرية التعبير