نضال منصور

نشر صور المتهمين بين حقوق الإعلام وحقوق الإنسان

تم نشره في الأحد 11 شباط / فبراير 2018. 01:04 صباحاً

نقاش وجدل إيجابي تشهده مواقع التواصل الاجتماعي حول توجهات جهاز الأمن بنشر صور المتهمين بجرائم السطو المسلح.
الإعلاميون في الغالب ينحازون لمبدأ الحد الأقصى للإفصاح من قبل الجهات الرسمية، فهذا يسهل ويخدم عملهم ويعزز قدرتهم على الوصول للمعلومات ونقلها للمجتمع، لكن هذا المبدأ بالإفصاح تحكمه ضوابط مهنية وقانونية وحقوقية وقبل ذلك أخلاقية.
الأمن العام وعلى لسان ناطقه الإعلامي المقدم عامر السرطاوي يقول في تصريحات لموقع عمون "إن على من يرتكب هذه الجرائم تحمل المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية، وهو أولى بالحفاظ على سمعته وسمعة أهله".
وتابع قوله "إن المصلحة العامة تقدم على المصلحة الخاصة بهدف تلافي هؤلاء الأشخاص الخطرين مستقبلاً وللحفاظ على أرواح وممتلكات المواطنين".
وأكد السرطاوي "أن الأمن العام لا ينشر صور الأشخاص في القضايا الخاصة وإنما ينشر الصور في القضايا التي تهدد حياة المواطنين بالموت، لافتاً الى أن من حق كل مواطن التعرف على هوية هؤلاء الأشخاص للحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم".
إذن فإن الأمن العام ينشر صور المتهمين ليحقق أهدافاً أبرزها الردع، وحماية المجتمع، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والسؤال هل هذه التوجهات للأمن العام تستخدم دائماً وتوجد "مسطرة" واحدة يلجأ إليها في التعامل مع الظواهر الجرمية، وهل يوجد لديه دليل أو مدونة معلنة يلتزم بتطبيقها؟
باعتقادي لا توجد معايير منضبطة لدى الأمن لقرارات نشر الصور، فعلى سبيل المثال فإن الأمن العام وخلال الأيام الماضية لجأ لنشر الحروف الأولى من أسماء "البلطجية" وفارضي الأتاوات ولم يقم بنشر صورهم رغم خطورتهم على المجتمع وضرورة تعريف المجتمع بهم حتى يتجنبوهم ويبلغوا عنهم.
من المفترض أن يؤطر موقف الأمن العام القانون وشرعة حقوق الإنسان، والمبدأ الأساس في ذلك "أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، وبالتالي فإن نشر صور المتهمين قبل صدور حكم قطعي بحقهم يعتبر إدانة مسبقة، ويقول المحامي أحمد النجداوي "لا يجوز نشر صور أو أسماء المقبوض عليهم والمشتبه بارتكابهم للجرائم إلا بإذن من النيابة العامة أو المحكمة".
مكتب الفصل للمحاماة أصدر مطالعة قانونية نشرها موقع JO24 أشار إلى أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته (14) لم يمنع صراحة نشر صور المتهمين، ونوه بأن المادة (14/3) اعتبرت بأن من معايير المحاكمة العادلة أن يحاكم الإنسان حضورياً وهذا يقتضي الكشف عن هويته، وبين أن قانون انتهاك حرمة المحاكم وقانون المطبوعات والنشر حظرا نشر محاضر التحقيق فقط باعتبارها سرية لسلامة التحقيق ولم يرد ضمن الحظر منع نشر صور المشتكى عليهم.
أما خبير حقوق الإنسان فادي القاضي فإنه يحدد الإطار الذي يجب التعامل معه عند نشر صور المتهمين بالجرائم، ويبدأ في التأكيد على تجنب إلحاق الضرر أو الأذى النفسي وهذا يشمل عائلة المتهم.
والإطار الثاني برأي القاضي الذي يجب الالتفات له ضمان الحق الأصيل في إجراءات تقاضٍ سليمة وعادلة.
ويؤكد على ضرورة وجود قواعد مكتوبة تحكم سياسة الأمن العام بالنشر ولا يترك الأمر لسلطة تقديرية، ويجب وضع حد أدنى من المعايير أهمها توفير هدف واضح المقاصد ومحدد للنشر، واستيفاء شرط الضرورة أي أن النشر ضروري لتحقيق الردع والحماية، وتحقيق شرط التناسب، وهذا يعني ارتباط الجريمة المرتكبة بالمخاطر العامة المترتبة.
الجدل القانوني والحقوقي والأخلاقي لن يتوقف وسيظل مدار خلاف، ومن الضروري أن نعرف أن وسائل الإعلام في الدول الديمقراطية مثل أميركا، وأوروبا تطارد المتهمين بالجرائم وتلتقط لهم الصور، وربما علينا أن نتذكر أنهم يهتمون بالجرائم التي تتورط بها شخصيات عامة مهمة ولها تأثير مباشر على المجتمع والرأي العام.
في الأردن يتعرض من تنشر صوره متهماً بجريمة لوصمة عار، والسؤال من يعيد له سمعته ويعوّضه إذا قررت المحكمة تبرئته من الاتهامات، ومن يمنع الضرر عن عائلته التي يشهّر بها.
لست مع مصادرة حق الإعلام في المتابعة والرصد والنشر، ولكن مع ضرورة أن يضعوا مدونات سلوك تحكم مسارهم وتراعي الجوانب الحقوقية، ففي القضايا التي تمس المال العام مثل قضايا الفساد عليهم أن يحموا المجتمع ويقدموا المصلحة العامة، وفي القضايا الجرمية الصغيرة والتي لا تداعيات مجتمعية لها عليهم مراعاة وتقديم الاعتبارات الحقوقية التي تصون حق الأفراد من التشهير وإلحاق الضرر بعائلاتهم.

التعليق