بينما كانت ألمانيا نائمة

تم نشره في الجمعة 16 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
  • سياسي ألماني نائم أثناء جلسة في البوندستاغ – (أرشيفية)

هلموت ك. أنهير*

برلين - اعتاد عدد قليل من الناس خارج ألمانيا مشاهدة رسوم ساخرة خاصة بهم، من النوع الراسخ منذ أمد بعيد في عقول العديد من الألمان. وبعيدا عن دعاية الحرب في القرن العشرين، وعن المهندس الرائع لإعلانات السيارات في شارع ماديسون، وعن المتتبع للأحداث بدقة على الشاشة، فإن الألماني الذي يتخيله الكثيرون اليوم، هو شخصية نائمة ترتدي ثوب النوم. ويبدو هذا الألماني الذي يحمل في بعض الأحيان شمعة في يديه، ساذجا وحزينا، ومشوشا إزاء العالم المحيط به.
وليست هذه الشخصية جديدة. على العكس من ذلك، كانت شخصية مشهورة في القرن التاسع عشر، يشار إليها باسم "دير ديوتش ميشيل" أو "ميشيل الألماني"، وكان يتميز بمنظور محدود يجعله يتجنب الخوض مع الأفكار العظيمة، والتغيير، ويطمح فقط إلى عيش حياة كريمة، هادئة، ومريحة.
لكن ميشيل عاد مجددا. ومن يستطيع أن يلومه على ذلك؟ اليوم، تحظى ألمانيا باقتصاد مزدهر، في غياب البطالة تقريبا، وارتفاع الأجور، والنقابات الراضية. وأصبحت الأزمة المالية شيئا من الماضي، والميزانيات العامة تحت السيطرة؛ وتدفق المهاجرين في العام 2015 يُدار بشكل جيد نسبيا.
ولكن، ثمة بعض الأخبار السيئة -الفضائح الصناعية (كما هو الحال في فولكس واجن)، وإفلاس شركات الطيران، والتأخر اللا نهائي لمشاريع البنية التحتية- والتي تكبح الشعور العام بالسلامة والرفاهية الذي يتمتع بها ميشيل الألماني. ويتمثل التهديد الحقيقي الوحيد، على ما يبدو، في العالم خارج حدود ألمانيا.
وبذلك، كانت الحملة الانتخابية في الخريف الماضي مناسبة تماما لميشيل الألماني. وقد لقي شعار حملة الاتحاد الديمقراطي المسيحي للمستشارة أنجيلا ميركل "أرض نعيش فيها بشكل جيد وبسعادة"، صدى كبيرا لديهم، كما حدث مع الرسائل الإقليمية الفارغة للأحزاب المتنافسة. وباستثناء حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي اليميني، أبدى الطرفان لطفا زائفا وموافقة مبتذلة على الإجماع الذي هدف إلى تهدئة الناخبين.
بعد الانتخابات، بدأ التسييس الحقيقي  للأشياء. لكن جهودا كبيرة بُذلت على الرغم من ذلك لحجب تلك الأنشطة عن ميشيل الألماني. وفي الواقع، وعلى الرغم من تواجد مسؤولي الحزب لبعض الوقت، فقد انتظروا حتى يتم التصويت قبل الكشف عن نواياهم، وقد فعلوا ذلك في السر. وكانت تسريبات محادثات التحالف السرية هذه تُدار بشكل جيد، حيث عقدوا "محادثات استكشافية" -محادثات تحضيرية بين المسؤولين في الحزب- والتي كانت غير ضارة سياسيا.
لكن الطبقة السياسية الألمانية، مثل ميشيل، تعيش في حالة إنكار. ومنذ ذلك الحين، تشير الانتخابات الفيدرالية الحزبية، وانهيار محادثات الائتلاف بين حزب الاتحاد الديمقراطي، وحزبها الشقيق البافاري "الاتحاد الاجتماعي المسيحي"، وحزب الخضر، والديمقراطيين الأحرار، والعلاقة بين  حزب الاتحاد الديمقراطي والحزب الديمقراطي الاجتماعي، إلى عجز خطير في السياسة الألمانية.
الحقيقة هي أن برامج الأحزاب المختلفة، التي تهدف إلى إعلام الناخبين وتوفير أساس لمحادثات الائتلاف، تعرِّي الافتقار الشديد إلى الإبداع وقلة الأفكار الجديدة. وتُعرض قضايا الدرجة الثانية بشكل غير قابل للتفاوض، مع التركيز إلى حد كبير على المسائل التقنية -على سبيل المثال، لم شمل أسر اللاجئين، ونظام تأمين صحي جديد لم يطالب به أحد (تأمين المواطنين)، أو دور الحكومة الاتحادية في تمويل التعليم.
نظرا إلى حالة أوروبا والعالم -والآمال التي يعلقها العديد من الغرباء على القيادة الألمانية- تبدو هذه القضايا هامشية. ولكن المشكلة الحقيقية هي أنها تشكل جزءا من القضايا الكبرى المتعلقة، على سبيل المثال، باليورو والأمن والدفاع والهجرة والبنية التحتية والضرائب.
بغض النظر عن أي رؤى سياسية تطلعية، فقد تحولت السياسة الألمانية إلى مسرحيات تكتيكية يقوم بها فاعلون متمرسون. ويستطيع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في حرب الورود مع الاتحاد الاجتماعي المسيحي، أن يصمد مع ميركل أو من دونها، في حين أن الحزب الديمقراطي الاشتراكي غير متأكد من نفسه ويخشى المزيد من التدهور السياسي. ولا شيء من هذا يبشر بالخير بالنسبة لبلد كان برلمانه معدوماً، بعد أن قامت هذه الأحزاب الثلاثة، خلال ثماني سنوات من تشكيل حكومة ائتلافية، بتهميش المعارضة، وفشلت في بناء كوادر قيادية جديدة.
كانت اتفاقات الائتلاف في ألمانيا عبارة عن وثائق تفصيلية ذات طبيعة شبه تعاقدية. ولكن هناك اتجاها متزايدا للتخطيط لأربع سنوات من الحكم، مع استخدام القادة بعد ذلك فترات تشريعية لا تناقش القوانين، بل تسن سياسات متفق عليها سابقا.
وعلاوة على ذلك، لم يتم تنفيذ أي إصلاح رئيسي بنجاح في ألمانيا منذ العقد الأول من القرن الحالي، عندما أجبر المستشار غيرهارد شرودر على القيام بإصلاحات في سوق العمل. ولم تجر أي إصلاحات تطلعية على مستوى جدول أعمال شرويدر للعام 2010 تحت ولاية ميركل لأكثر من عقد من الزمان.
الآن، يسعى كل من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والاتحاد الاجتماعي المسيحي، والحزب الديمقراطي الاشتراكي إلى تأسيس تحالف كبير من شأنه أن يبقي ألمانيا على نفس النهج الذي اختارته خلال السنوات الثماني الماضية. والاتفاق الذي يتكون من 28 صفحة، والذي سيسمح لمحادثات الائتلاف الرسمية بالمضي قدما، هو اتفاق مفصل للغاية، تِكْنُوقْراطِيّ، غير طموح، ويفتقر إلى الرؤية.
وهكذا، ليس من المستغرب أن الكثيرين، وخاصة في الحزب الديمقراطي الاشتراكي -على الرغم من أن المفاوضين من الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والاتحاد الاجتماعي المسيحي، والحزب الديمقراطي الاشتراكي قد اعتبروا الصفقة بمثابة تقدم- غير راضين عن النتيجة، بينما يدعو البعض إلى إعادة التفاوض. ويواجه الحزب الديمقراطي الاشتراكي الآن خياراً واحداً: أن يقرر قادته في مؤتمره الخاص ما إذا كانوا سينضمون إلى حكومة ائتلافية كبرى أخرى أكثر وعداً، أو أنهم سينتقلون إلى المعارضة، وربما يتسببون في عقد انتخابات جديدة.
إلا أن هناك خيارا آخر تجاهله الكثيرون: تشكيل حكومة أقلية بقيادة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، مع تعيين ميركل كمستشارة. ومع تحرر ميركل من خرق اتفاقات الائتلاف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي المعارض أو الحزب الديمقراطي الحر النفعي، فإنها يمكن أن تختار حكومتها على أساس الكفاءة والرؤية بدلاً من السياسة الحزبية. كما يمكنها تعيين وزراء من أحزاب أخرى.
والأهم من ذلك، أن ميركل قد تمكنت من معالجة القضايا المهمة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، والتي لم يبذل الائتلاف الحالي أي مجهود يذكر لمعالجتها. وهذا يعني التعاون مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتنمية المشروع الأوروبي؛ وتحديث نظام الإدارة العامة في ألمانيا؛ وإعداد القوى العاملة للرقمنة؛ ومعالجة قضايا الهجرة.
سوف يكون البرلمان جزءا لا يتجزأ من النجاح على أي من هذه الجبهات. وعلى الأحزاب الرئيسية تبني هذا النوع من النقاش المفتوح والبناء الذي عزز الديمقراطية البرلمانية في السنوات الأولى للجمهورية الاتحادية، بدلا من التركيز على الأساليب السياسية.
قد يفضل "ميشيل الألماني" مبادرات السياسة المتواضعة والتدريجية التي ميزت استشارات ميركل. وكان بإمكان حكومة الأقلية التي أُجبرت على حشد تحالفات الراغبين في معالجة القضايا الحرجة التي تواجه ألمانيا وأوروبا التخلص من قيود توقعات ميشيل وتحرير السياسة الألمانية من تكتيكات الحزب ودعم الإصلاح الحقيقي الذي تشتد الحاجة إليه. وبعبارة أخرى، فإن حالة انعدام الأمن السياسي التي تواجهها ألمانيا اليوم قد يكون ما تحتاجه البلاد بالفعل لإثارة أفكار وأصوات جديدة من أجل مستقبل أفضل.

*رئيس وأستاذ علم الاجتماع في كلية هرتي للحكم في برلين.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".سياسي ألماني نائم أثناء جلسة في البوندستاغ – (أرشيفية)

التعليق