الطريق المسدود والأفكار الخلاقة

تم نشره في السبت 17 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
  • منظر عام للحرم القدسي الشريف ومدينة القدس -( ا ف ب )

هآرتس

شلومو أفنيري*

16/2/2018

لا يوجد شيء مثل هذا في العالم. الطريق المسدود للعملية السلمية بيننا وبين الفلسطينيين يؤدي من حين إلى آخر إلى طرح أفكار خلاقة في محاولة لاحداث اختراق. هذه الأفكار تكون احيانا ابداعية، لكنها تكون في احيان أخرى بلا جدوى وحتى خيالية. أحد هذه الأفكار التي طرحت مؤخرا هي من الجانب اليساري والجانب اليميني للنظام السياسي، وهو حل النزاع من خلال اقامة كونفدرالية إسرائيلية فلسطينية. في اليسار هناك من يرون في ذلك حلا سحريا، يتغلب على العقبات أمام حل الدولتين، في حين أنهم في اليمين يأملون أن يحلوا بواسطته الحاجة إلى اخلاء المستوطنات. احيانا هذه الفكرة مغلفة بمفاهيم تسحر القلب، مثل "دولتان ووطن واحد". احيانا يبدو أن من يطرح أفكارا كهذه لا يعرف حقا ما هي الكونفدرالية وبماذا تختلف عن الفيدرالية: هذه ليست ضعفا في قواعد اللغة شكلية، بل هي فروق جوهرية.
الولايات المتحدة والمانيا هما دولتان فيدراليتان: الفيدرالية هي دولة موحدة مع إدارة مركزية وقانون واحد وجيش واحد، تتصرف كوحدة واحدة في علاقاتها الخارجية. وهذا يتمثل بأن لها ممثلية دبلوماسية واحدة في الدول الاخرى وممثلية واحدة في الأمم المتحدة وفي المؤسسات الدولية الاخرى. في مفاهيم علم الدولة والعلاقات الدولية، في الفيدرالية السيادة هي واحدة ومحفوظة للسلطة المركزية، وليس للوحدات التي تكونها.
الكونفدرالية هي شيء مختلف تماما: لا يوجد لها جهاز قضائي أو ادارة مشتركة، ليس لها بالضرورة حيش مشترك، وكل مكون من مكوناتها يحتفظ بتمثيل مستقل في الخارج. وإذا كانت لها مؤسسات مشتركة مثل البرلمان، فان صلاحياتها تكون محدودة وضعيفة، على كل واحدة من الوحدات التي تكون الكونفدرالية تسيطر حكومة محلية، ليس للسلطة المركزية افضلية تشريعية أو إدارية على السلطات المحلية. بكلمات اخرى، السيادة، سواء تجاه الداخل أو الخارج، تبقى في أيدي الوحدات التي تكون الكونفدرالية.
ضمن هذه المعطيات ليس مفاجئا أنه لا يوجد اليوم وجود لأي كونفدرالية. سويسرا تسمى احيانا كونفدرالية لاسباب تتعلق بتاريخها في أواخر العصور الوسطى، لكنها فيدرالية تماما. للكانتونات المختلفة التي تشكلها حقا درجة غير بسيطة من الاستقلال الذاتي في الشؤون الداخلية، لكن لها حكومة مركزية واحدة وجيش واحد. سويسرا هي وحدة سيادية واحدة تجاه الداخل والخارج (لزيوريخ أو جنيف لا يوجد جيش ولا توجد سفارات) اثناء عملية تفكك الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا في التسعينيات في القرن الماضي كانت محاولات لاستبدال الهيكل الفيدرالي الذي كان قائما في هاتين الدولتين بالكونفدرالية.
كل هذه المحاولات فشلت لأن الجميع فهموا أنه بذلك لا يحلون أي شيء، وفي نهاية المطاف تفكك الاتحاد السوفييتي إلى 15 دولة سيادية، ويوغسلافيا تفككت إلى 6 إلى 7 دول (هذا يتعلق اذا كنا نعد كوسوفو). في قبرص يحاولون منذ اكثر من سبعين سنة بلورة، بلا نجاح، حل من نوع الكونفدرالية، لكن الواقع هو دولتين فعليا، حيث المنطقة الكردية معترف بها كدولة فقط من قبل أنقرة وفعليا فيها احتلال تركي.
كل ذلك من شأنه أن يوضح لماذا محاولة الكونفدرالية في واقعنا هي محاولة عديمة الجدوى تماما. فيما يلي سنفحص مواضيع الواحد تلو الآخر.
أولا، انشاء كونفدرالية يحتاج إلى ترسيم حدود جغرافية بين الوحدتين، إسرائيل وفلسطين. من يعتقد أن الحل الكونفدرالي سيمكن من تسوية الخلاف بخصوص السيطرة على يهودا والسامرة وقطاع غزة – لا سيما القدس – ببساطة هو لا يعيش في الواقع. ليس بالإمكان تخيل وضع يوافق فيه الفلسطينيون على أن المستوطنات وشرقي القدس ستكون جزءا من المكون الإسرائيلي للكونفدرالية، أي أن تكون خاضعة للقانون الإسرائيلي وسيطرة الجيش الإسرائيلي.
في المقابل، من الواضح أن حكومة إسرائيلية لن تنقل إلى سيطرة الفلسطينيين مئات آلاف المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في مناطق الضفة أو في شرقي القدس. ولن توافق على خدمتهم في الجيش الفلسطيني وفي الجيش الإسرائيلي ايضا. خيالي تماما التفكير بأنه في اطار كونفدرالي سيوافق الفلسطينيون على أن يبقى الحرم تحت السيادة الإسرائيلية أو أن إسرائيل ستوافق على نقله لسيادة الفلسطينيين. من يؤيد الكونفدرالية لا يمكنه التملص من القول أين ستمر الحدود بين الوحدتين لأنه في الكونفدرالية السيادة – أي السيطرة – تبقى في أيدي الوحدات المكونة لها، لذلك لا يمكن التهرب من ترسيم الحدود.
ثانيا، الكونفدرالية تعني أن فلسطين، تماما مثل إسرائيل، ستكون عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة وفي كل المؤسسات الدولية، وكما هو مفهوم سيكون لها سفارات في ارجاء العالم، هل هذا ما يريده اليمين الذي يؤيد الكونفدرالية.
ثالثا، هل في اطار الكونفدرالية كل فلسطيني يعيش في الكيان الفلسطيني يمكنه الحركة بحرية في كل المناطق الإسرائيلية والعيش فيها ايضا، مثلا في تل ابيب. وكل إسرائيلي يمكنه العيش في كل اراضي فلسطين، مثلا في نابلس؟ اذا أضيف إلى ذلك قانون العودة الإسرائيلي، الذي سيسري بالطبع في الجزء الإسرائيلي، وقانون العودة الفلسطيني الذي يفترض أن يسري في الجزء الفلسطيني، فان من الواضح أن حركة حرة بين وحدتي الكونفدرالية يمكنها أن تخلق تحديات غير بسيطة، سواء في الجانب الإسرائيلي أو في الجانب الفلسطيني. من الواضح أن "اراضي دولة في الجزء الفلسطيني ستكون تحت سيطرة المكون الفلسطيني للكونفدرالية.
رابعا، في اطار كونفدرالي، لكل واحد من مكونات الكونفدرالية سيكون جيش خاص به. هل هذا ستكون إسرائيل مستعدة له؟ ليس بالامكان أن يكون لأحد مكونات الكونفدرالية جيش في حين لا يكون للمكون الثاني جيش، أو أن تكون اراضيه منزوعة السلاح.
خامسا، يصعب توقع استقرار اقتصادي في الكونفدرالية ازاء الفجوات الكبيرة القائمة الآن بين مكوناتها في مستوى المعيشة، الانتاج الاقتصادي والنمو الاقتصادي. وبدل ذلك فان الفصل بين الاقتصادين، في وضع لا يكون فيه حرية لكل شخص بالعمل أينما يريد – سيفرغ الهيكل الكونفدرالية من كل مضمون حقيقي.
سادسا، من الواضح أن المكون الفلسطيني لن يكون كيانا ديمقراطيا، بل ائتلاف لتنظيمات مسلحة (فتح، حماس). كيف يمكن أن تكون هناك مؤسسات مشتركة، وحتى ضعيفة (مثل برلمان مشترك)، حيث أن أحد مكونات الكونفدرالية سيكون دولة ديمقراطية لديها انتخابات متعددة الاحزاب، والثاني سيكون شيئا ما يشبه في احسن الحالات مصر وفي أسوأ الحالات سورية؟.
إن سبب فشل كل محاولات اقامة الكونفدراليات في العالم حتى الآن بسيط: الكونفدرالية هي مأسسة حرب أهلية مستمرة، وهي فقط تزيد المشكلات ولا تحلها. يجب علينا أن نقول الحقيقة: هؤلاء الذين في اليمين والذين يظهرون التأييد لفكرة الكونفدرالية، لا يقصدون حقا الكونفدرالية التي سيكون لكل مكوناتها مكانة متساوية إلى هذه الدرجة أو تلك.
ما يفكرون فيه ليس كونفدرالية حقيقية، بل شيء ما يكون في جانبه الفلسطيني يشبه البنتوستان ويشمل استمرار سيطرة إسرائيل على المناطق الفلسطينية تحت اسم آخر. التفكير أن الفلسطينيين سيوافقون على اطار كهذا هو بالطبع وهم مطلق. ايضا في اليسار يجب أن يفهموا أنه مع كل النوايا الحسنة فان فكرة الكونفدرالية هي فكرة عبثية. إن من يريد حل متفق عليه للنزاع لا يمكنه الهرب من الاستنتاج بأن هناك فقط طريقا واحدا، مهما كان طويلا ومتعرجا: دولتان لشعبين.
هذا الاستنتاج غير بسيط. وتفسيره هو أن على من يؤيدون الكونفدرالية من اليمين التوقف عن تضليل  الجمهور ومحاولة بيعه شيء يشبه الحل، الذي هو في الواقع هو تمويه للضم. من يؤيدون الفكرة في اليسار يجب القول لهم إنه يجب عليهم التوقف عن العيش في وهم أن لديهم حلا سحريا. فكرة الكونفدرالية هي ذر للرماد في العيون وهرب من الواقع الصعب الذي يحتاج إلى قرارات صعبة. الآن ليس هناك في حكومة إسرائيل الحالية استعداد لاتخاذ هذه القرارات الصعبة، وهناك شك كبير في ما اذا كان استعداد كهذا موجود في الجانب الفلسطيني. على كل الاحوال، الحل غير موجود في دواء المشعوذين، الذي هو ايضا خطير وعديم الفائدة.

*المدير العام أسبق للخارجية الإسرائيلية

التعليق