ضحايا الميرمية

تم نشره في الأحد 18 شباط / فبراير 2018. 12:06 صباحاً

لا يوجد شعب يخاف من المرض أكثر من الشعب الاردني، فهو اذا شعر بألم معين لا يمكن ان يذهب مباشرة الى الطبيب قبل ان يغلي ويشرب كل حشائش الارض، والكارثة ان كل من حوله يصبح طبيب اختصاص، فالزوجة التي لم تكمل الاعدادي تشخص الحالة على انها مجرد برد وسيذهب بعد شرب الميرمية، بينما الجار الذي يعمل فني تكييف يصف له رجل الحمامة كعلاج فعال لمعظم الامراض، واذا ما زاد الالم فإن لدى ابن عمه صاحب محل كل شيء بدينار وصفة كان الرومان يستخدمونها وأثبتت فعاليتها وهي أن تأتي بنحلة لتلدغ مكان الألم ولن تشعر بعدها بشيء.
جميعهم ليسوا بحاجة الى صور اشعة، او فحوصات دم، او حتى قياس الضغط، ليحددوا ان كانت الميرمية ام رجل الحمامة هي العلاج المناسب، فرجل الحمامة صرفت لارتفاع الحرارة والمغص والكسور وآلام الولادة والتهاب القولون وبعضهم رأى انها تغني عن اجراء عمليات القلب المفتوح.
فكان ضحايا رجل الحمامة في الاردن اكثر من ضحايا عيد الاضحى المبارك، بينما كان عدد الأردنيين الذين ناموا في ثلاجات الموتى بسبب الميرمية  اكثر من عدد الدجاج والاسماك التي نامت في ثلاجاتنا.
العالم صرف ملايين الدولارات حتى يخترع الروبوت الآلي  وذلك لاستخدامه في العمليات المعقدة التي يصعب على الأطباء البشر التعامل معها، ونحن ما نزال نبحث في البراري عن نحلة لتلدغنا ومعالجة اكثر الامراض تعقيدا!
نعم نحن من يبحث دائما عن البدائل حتى لانصل الطبيب، فلنا تجارب مؤلمة مع القطاع الصحي العام، الذي يعالج معظم المرضى بإبرة فولترين او حبتين بنادول، فاذا لم يتحسن المريض وكان في العمر بقية عاد اليهم مرة اخرى ليخبرهم ان الفولترين لم يجدِ نفعا فتجرى له الفحوصات اللازمة، بينما اذا لم يكن في العمر بقية فان اكثر من نصف اموات الاردن غادرونا وكانت آخر ذكرياتهم في الدنيا حبتين بنادول!
لا ينقص القطاع الصحي العام الكفاءات الطبية، ولكن الطبيب الذي يعالج اكثر من ستين مريضا في اليوم لا يستطيع ان يعطي كل حالة الوقت الكافي من التشخيص، كما ان نقص الاجهزة الطبية المساندة يقف عائقا امام عملهم؛ فموعد الحل النهائي في سورية قد يكون اقرب من موعد صورة اشعة في الاردن.
ان كان تصليح مصعد في مستشفى حكومي احتاج الى زيارات عديدة من  مسؤولين كبار في الدولة حتى تم اصلاحه وربما اليوم تعطل، فكيف تغامر الحكومة بأرواح مرضى السرطان وترسلهم لمستشفيات الصحة التي تفتقر صيدلياتها الى أدوية الضغط، فكيف العلاج الكيماوي.
ان كنا نخاف من ان نجري عملية مرارة في مستشفيات الصحة لضعف الامكانيات، فكيف لا نخاف على مرضى السرطان من العلاج في تلك المستشفيات وقد لا يجدون من يقيس لهم درجة الحرارة. 
هذا المرض الخبيث لا يصلح معه البنادول كمسكن، ولا راجعنا بعد ثلاثة اشهر، هذا المرض بحاجة الى مراكز متخصصة وكفاءات طبية واجهزة متطورة توفرت جميعها ولله الحمد بأنجح مشروع طبي في الاردن الا وهو مركز الحسين للسرطان.
هذا المركز الذي نباهي به العالم لتطوره وحسن ادارته بكفاءات اردنية نريد أن نفقره  بعدم تحويل مرضى السرطان اليه.  ما نزال ندفع دينارا على فاتورة الكهرباء للتلفزيون حتى يعرض لنا فوائد الميرمية، أليس هذا الصرح الطبي أحق بالدينار فهو على الاقل يعالج ويبعث الأمل ولا يرسل للمقابر ضحايا فولترين وميرمية!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وهذه ضريبة أخرى (اسماعيل زيد)

    الأحد 18 شباط / فبراير 2018.
    سيدي مقال رائع وهادف وفي وقته كالعادة ولكنني كنت أتمنى عليك سيدي أن لا تأتي على ذكر الضريبة الجديدة التي ستفرضها علينا الدولة بعد مقالتك هذه، فهذه الضريبة المقترحة من قبلكم تذكرني بالنائب الذي اقترح أن تفرض ضريبة على بطاقات الهاتف في مقابل أن لا تحرر المحروقات وجاء رد الحكومة مباغتاً للكل وللنائب أيضاً إذ أبقت الحكومة على قرارها بتحرير المحروقات اضافة إلى فرض الضريبة على البطاقات الخلوية التي اقترحها النائب وليس فقط هذا بل بررت هذه الضريبة بأنها اقتراح من النائب الفلاني.
    سيدي إن اقتراحك هذا سيبقي الضريبة البالغة دينار على التلفزيون - والذي لا أظن أن أحد يشاهده سوى في رمضان وقت اذان المغرب ولحضور مباريات الدوري الأردني - وسيتم فرض ضريبة جديدة لمركز الحسين للسرطان بحجة أن الشعب يريد ذلك.
    آنا آسف للاطالة ولكنني كتبت ما أحسست به عند قراءة نهاية مقالك سيدي والتي أتمنى من الله أن لا يقرأها أحد من أعضاء الحكومة.
    حمى الله الأردن.