الكلمة التي رفض أهارون باراك ذكرها

تم نشره في الاثنين 19 شباط / فبراير 2018. 12:10 صباحاً
  • عمال فلسطينيون على الحواجز الإسرائيلية بانتظار السماح لهم بفرصة عمل .-( ارشيفية)

هآرتس

مايا بنغل

هذه أيام أزهار اللوز، اللحظات الجميلة في الحياة الوزارية لوزيرة القضاء (المسماة باسمها)، ولا يمكن المبالغة في نجاحاتها. في يوم الجمعة قبل أسبوعين شاهدت قمة إنجازاتها تنشر في ست صفحات في "يديعوت احرونوت": رئيس المحكمة العليا أهارون باراك، الرمز المحبوب واللامع للنخبة الليبرالية، الذي حسب رأيها فرض باستبداد على كل مواطني إسرائيل في العام 1995 برنامج عمل ميرتس، هبط من برجه العاجي للتشاجر معها.
أبو الثورة القانونية ومحط كراهية اليمين الاستيطاني يحذر بأن سياسة الحكومة ومبادرات وزيرة القضاء تشكل تهديدا حقيقيا على وجود إسرائيل كدولة ديمقراطية وليبرالية. بدون شك هذا نجاح يمكن التفاخر به في اوساط مصوتي اليمين. ولكن انجاز شكيد أكثر تأثيرا: هي ليست فقط جرت النخبة الليبرالية إلى الوحل، بل أيضا اقنعت باراك بأكل الوحل.
"قررت قول ما في داخلي الآن"، أوضح باراك لـ"يديعوت أحرنوت" سبب كسر صمته الطويل. "هذا يمكن أن يفيد، وإذا لم يفد، فعلى الاقل لن يقوموا إنني كنت أيضا من بين الصامتين". وهكذا، على طول المقابلة، كان واضحا أن باراك دخل حقا إلى الساحة، لكن بدون استعداد لتلطيخ نفسه، لذلك، أيضا بدون قدرة على الانتصار. لقد دخل اليها من اجل أن يسجل في صفحات التاريخ بأنه لم يكن من بين الصامتين، أي من أجل أن يخرج مثلما دخل، فقط مزود بأداة دفع غيبة وضمير اكثر نقاء – وليس لتغيير أي شيء.
باراك يتهم حكم اليمين وشكيد أيضا بأن سياستهم ستقرب إسرائيل من نهايتها كدولة يهودية وديمقراطية. "ديمقراطية بدون حقوق انسان، هذه ليست ديمقراطية، هذه استبدادية. مثلما لا توجد ديمقراطية بدون سلطة اغلبية، هكذا أيضا لا توجد ديمقراطية بدون سيطرة قيم تقف في مركزها حقوق الإنسان".
ما يصم الآذان في هذه الاقوال هو بالتحديد ما ينقصها. إذا كانت هذه حالة طوارئ وهناك خطر بأن يتحول، على حد قوله، إلى "ديكتاتورية الاغلبية"، واذا كانت حقوق الانسان هي شرط ضروري لدولة ديمقراطية – فلماذا لا يذكر الاحتلال؟ على طول كل اقوال نبوءة الغضب الخاصة به لم يتطرق إلى الاحتلال ولو بمرة واحدة (كلمة ديمقراطية بأشكالها المختلفة تذكر 30 مرة، وكلمة يهودية تذكر 19 مرة والصهيونية 9 مرات. والاحتلال؟ صفر).
هذا بالطبع ليس خطأ. أيضا ليس عدم وعي. قاضي لامع ومجرب مثل باراك بالتأكيد تخيل أن غياب الاحتلال من اقواله سيكون حاضرا. مع ذلك، الأمر يتعلق بقرار الحكم الأكثر تأثيرا على طابع الدولة منذ العام 1967 – وأيضا الأكثر اشكالية.
إن اختيار تجاهل عشرات السنين من الاحتلال يبرره باراك بما يسمى "الدولاتية". "لكل واحد توجد قيود خاصة به. وما يقيدني هو موقفي القائل "من كان قاضيا في يوم ما سيظل قاضيا إلى الأبد"، لذلك، أنا أمتنع عن التعبير عن أي موقف يتعلق بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني". وهو يفهم أيضا أن الاستنتاج المدوي من تعريفاته، حول وجود علاقة ضرورية بين حقوق الانسان والديمقراطية، هو استنتاج وحيد: دولة إسرائيل التي تسحق طوال خمسين سنة حقوق الانسان لملايين الفلسطينيين ليست ديمقراطية. واعيا لهذا التناقض الذي يخلقه، فإن باراك يوضح أن امتناعه هو "رغم العلاقة بين حل النزاع وبين تجسيد الصهيونية وقيم إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية".
هذا تهرب كلاسيكي. باراك خبير في هذا. طوال سنواته كرئيس للمحكمة العليا أحدث ثورة قانونية في إسرائيل رغم كونها دولة محتلة. أو اذا استخدمنا اقواله "رغم العلاقة بين الاحتلال وبين تجسيد قيم إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية"، فإنه تحول بصورة كبيرة إلى من يعتبر الشخص الذي وضع البنية الاساسية القانونية لتبرير حكم خرق حقوق شعب آخر في المناطق.
برعاية ثورته نمت إسرائيل وتحولت إلى دولة عظمى كولونيالية، عنيفة، عنصرية، ترتكب جرائم حرب وغير مبالية بانعدام الاخلاقية وقسوتها. كرئيس للمحكمة العليا فإن باراك كان واحدا من الذين يعززون الاحتلال الإسرائيلي: المرة تلو الاخرى بأحكامه شق الطريق القانونية لحكومة إسرائيل من اجل الاخلال بحقوق الانسان، أحل التصفيات وسرقة الاراضي وهدم المنازل والاعتقال الاداري، حتى أنه اعطى الضوء الاخضر للتعذيب عن طريق "دفاع الحاجة" أو "قنبلة موقوتة".
طوال سنواته في خدمة الدولة كمستشار قضائي وقاض في المحكمة العليا آمن باراك أنه يمكنه السيطرة على نمر الاحتلال – القومية اليهودية، العنصرية والعنف، في الوقت الذي يقيم فيه نظام ديمقراطي ليبرالي. الآن هذا الوهم الذي طوره تحطم، ورغم أنه يلقى في وجهه بقوة فهو ما زال يرفض الاعتراف بذلك. السبب: ثمن الاعتراف هو الاعتراف بفشله. كما يبدو أنه اكثر مما حاول باراك الدفاع عن الديمقراطية وعن مستقبل إسرائيل كديمقراطية، فإنه نزل ليخطب في ميدان المدينة بأنه اراد الدفاع عن ارثه. لذلك، فإن باراك هو نموذج كامل لليسار الصهيوني.

التعليق