الراشد المسؤول

تم نشره في الأربعاء 21 شباط / فبراير 2018. 01:06 صباحاً

معاريف

أوشريت بيرودكر*

يوم الخميس الماضي، هبط الرئيس الايراني حسن روحاني في زيارة رسمية تستغرق ثلاثة أيام في الهند، لاول مرة منذ انتخابه للرئاسة الايرانية في 2013. هذه الزيارة، إلى جانب الثناء الذي أغدقه مؤخرا رئيس وزراء الهند نارنديرا مودي في رام الله على قبر ياسر عرفات، يضيف إلى تعقيد العلاقات بين الهند وإسرائيل، بل وإلى الطابع المميز الذي يتبلور للقوة العظمى التالية.
رغم وجود علاقات تجارية عتيقة، فمنذ استقلالهما، سارت العلاقات بين الهند وايران على مسار ملتو. ففي اطار الحرب الباردة كان البلدان يتماثلان مع كتلتين متعارضتين. اضافة إلى ذلك، أصبحت ايران مؤيدة متحمسة لمسألة كشمير بالصيغة الباكستانية. وجاءت عمليات 11 ايلول 2001، والتي أدخلت جنوب آسيا إلى مجال الوعي العالمي لمكافحة الارهاب، لتمنح العلاقات مضمونا جديدا.
ان تسخين العلاقات بين الهند وإسرائيل في العقد الاخير، شكل مصدر توتر بقي خفيا في معظمه تحت الرادار الاعلامي. فقد أعربت إسرائيل غير مرة عن تحفظها من علاقات الهند مع ايران، على ضوء آثار صفقات السلاح والتكنولوجيا التي من شأنها أن تؤدي إلى تسريب المعلومات والعتاد المتطورين إلى أياد ايرانية. أما ايران من جهتها فحبذت ألا تتناول الموضوع علنا. فالعملية في السفارة الإسرائيلية في دلهي في شباط 2012، والتي وقف خلفها رجال الحرس الثوري، اضافت توترات عديدة للعلاقة بين الاطراف. كما أن سلوك الهند المتردد في مسألة النووي الايراني أثقل على تطلعات التقدم السياسي بينها وبين إسرائيل.
أما العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة قبل التوقيع على الاتفاق النووي، فلم تردع الهند من مواصلة العلاقات مع ايران. ولمواجهة المسألة تمسكت دلهي بحلول تمويلية ابداعية عطلت التعلق بالبنوك الغربية لمواصلة التجارة بالنفط، وذلك ضمن امور اخرى من خلال الدفع بالذهب. وقد اتخذت هذه القرارات بالتوازي مع استعداد الحكم في دلهي لتوثيق العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وتعكس سياسة الهند على مدى فترة العقوبات جرأة قوة عظمى ناشئة وضعت لنفسها هدفا هو القضاء على الفقر من شوارع الهند ورفع امكانية التنمية إلى اقصى قدرات التحقق. هذه مهمة متحدية لدولة ذات نحو 1.2 مليار مواطن.
لقد جعل الاتفاق التاريخي مع ايران في العام 2015 الهنود حساسين لقطف ثمار تصميمهم بما في ذلك الفوز في العطاءات على حقول الغاز وبث حياة في الخطة لاقامة ميناء شبهار، الذي سيجعل ايران مسار المواصلات الارخص والأنجع لعبور البضائع بين المحيط الهندي واوروبا. وبالمقابل، فإن سير المفاوضات حول مسألة مرونة الاسعار في العطاء على حقل الغاز "برزاد بي" أثار غضب الايرانيين فتوجهوا للروس للمساعدة. وكرد على ذلك، في نيسان من العام الماضي قررت حكومة الهند تقليص نحو 50 في المئة من استيراد النفط من ايران. أدت هذه الخطوة بالهند إلى ان تنضم لأول مرة إلى العطاءات في سوق الغاز الإسرائيلية. وفي اطار الزيارة الحالية لروحاني كانت هذه المواضيع على جدول الاعمال. اما ايران من جهتها فتطلعت لان تتقدم ببناء ميناء شبهار وتجاوز الضغوط الأميركية.
ان العداء بين ايران وإسرائيل سيواصل كونه بؤرة خلاف متفجرة للطرفين. ويبدو أنه بفضل السياسة الخارجية المميزة، تنجح الهند في ادارة علاقات مع أطراف متخاصمة دون أن تتضرر. والعلاقات بين الهند والفلسطينيين هي مثال جيد على ذلك. وفي هذه الصيغة يعمل أيضا رئيس وزراء الهند في حالات ظهوره على الملأ. فالاستعداد الهندي للحفاظ على صوت مخلص لقيمها ورجالها يجعل من الصعب التجاهل لمكانها الطبيعي في المستقبل كعضو دائم في مجلس الامن للامم المتحدة، مما يضع امامنا نموذجا مميزا لعدم الانحياز في اطار العولمة الراهن أيضا.
*خبيرة في السياسة الهندية

التعليق