العدو على الأبواب: بقعة أردوغان العمياء القاتلة

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
  • أتراك يحيون ذكرى ضحايا هجوم شنه "داعش" على مطار أتاتورك - (أرشيفية)

كولين بي. كلارك؛ وأحمد س. يايلا – (فورين بوليسي) 15/2/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أفاد انهيار خلافة "داعش" المعلنة ذاتيا كلا من العراق وسورية، البلدين اللذين احتفظت فيهما المجموعة المتطرفة بملاذ في السابق، لكنه يشكل أيضا تهديدا للدول التي ربما يذهب إليها المقاتلون الهاربون تاليا.
وعلى قمة القائمة ثمة تركيا، التي تبدو وجهة منطقية لمتشددي "داعش"، وهي التي تقع في الجوار المباشر لكل من العراق وسورية.
في أوائل شباط (فبراير)، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "الآلاف" من مقاتلي "داعش" هربوا من سورية والعراق، في حين أن عددا كبيرا "ذهبوا للاختباء في بلدان مثل تركيا". وليست هذه أخبارا جديدة. فقد كشفت مقابلة أجراها في العام 2016 مراسل "نيويورك تايمز"، روكميني كاليماتشي، مع مقاتل سابق من ألمانيا أن تنظيم "داعش" أرسل عن قصد مئات من مقاتليه إلى تركيا. ويواصل المهربون على جانبي الحدود نقل الناس، بمن فيهم مقاتلو "داعش"، ذهابا وإيابا من سورية إلى تركيا وبالعكس، ويدفعون الرشاوى للمقاتلين الأكراد في بعض الأحيان حتى يتمكنوا من المرور عبر المنطقة التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية.
في أعقاب هجوم "داعش" القاتل على نادي رينا الليلي في اسطنبول في الساعات الأولى من اليوم الأول من كانون الثاني (يناير) 2017 –الذي أسفر عن مقتل 39 شخصا وجرح 71 آخرين- تم الكشف عن أن المجموعة كانت قد أسست خلايا إرهابية قوية في داخل تركيا. وهناك نوعان من هياكل هذه الخلايا في تركيا: تلك المكونة من أتراك؛ والأخرى التي يشغلها المقاتلون الأجانب. وتتكون خلايا المقاتلين الأجانب بشكل رئيسي من متشددين من القوقاز، ومن الأتراك الإيغوريين من الصين، وآخرين من آسيا الوسطى من مناطق الاتحاد السوفياتي السابق، بالإضافة إلى مقاتلي "داعش" الفارين من العرب والأوروبيين.
تتسم إسطنبول بصدى تاريخي بالنسبة للكثير من المسلمين باعتبارها المركز السابق لخلافة إسلامية سُنية. ولا تعني حقيقة أن "داعش" لم يستطع أن يأمل واقعيا بإعادة تأسيس خلافته على الأراضي التركية أن مقاتليه لن يجلبوا عدم الاستقرار إلى تركيا؛ وسوف يؤدي مجرد وجودهم هناك إلى نزع استقرار ذلك البلد.
في العام الماضي، كان "داعش" أكثر حذرا بكثير إزاء شن هجمات على التراب التركي، ربما لتجنب استدعاء مزيد من التدقيق من القوى الأمنية. لكن العدد المتزايد من مقاتلي التنظيم، الذي يقدره البعض بالمئات، سوف يؤدي على الأرجح إلى وقوع اشتباكات مستقبلية مع الشرطة التركية التي تحاول استئصالهم. كما أن هناك احتمالا أيضا للتخطيط لهجوم كبير من على التراب التركي، مثل ذلك الذي كاد أن يحدث عندما تم إرسال مكونات عبوة ناسفة بدائية بالبريد الجوي من تركيا إلى أستراليا في آب (أغسطس) الماضي.
يمكن أن تعمل تركيا كمركز لوجستي للتخطيط لهجمات مستقلبية. وعلى النقيض من ملاذات الإرهابيين الأخرى، مثل أفغانستان وليبيا والصومال، فإن تركيا ليست دولة فاشلة. وهذا مهم لأنه يتيح للمتشددين وصولا أسهل وأكثر موثوقية إلى الاتصالات، والنقل، والشبكات المالية، بالنظر إلى إجراءات التأشيرة التركية المخففة، وخطوط الطيران الكثيفة، والعيوب في أنظمة التعقب المالي. كما أن الفساد والتساهل الشائعين في أوساط القوات الأمنية التركية، واللذين يشترك فيهما أفراد من القوات المسلحة والشرطة، يسهلان المزيد من الوصول باستخدام مزيج من الرشوة والإكراه.
وهناك شكوك في مدى رغبة بعض الساسة الأتراك وكبار قادة قوات الأمن في مواجهة "داعش" أيضا. ففي أوائل شباط (فبراير)، أفرج قضاة فجأة عن  أكثر من 10 من كبار قادة "داعش" –بمن فيهم "أمير" منطقة ديار بكر ومتشددين آخرين كانوا متورطين في هجمات بالقنابل في أسطنبول وأنقرة وغازي عنتاب. وفي العديد من الحالات، ضغط مسؤولون في المخابرات التركية ممن لم يروا المجموعة باعتبارها التهديد الرئيسي على الجهاز القضائي لإطلاق سراح مشتبه بهم خطِرين، على الرغم من أن المدعين العامين سعوا إلى استصدار أحكام طويلة بالسجن لهم. وبما أن تركيا متهمة بتجنيد الآلاف من مقاتلي "داعش" السابقين لمهاجمة الأكراد في سورية، يتكهن البعض بأن إطلاق سراح أعضاء التنظيم من دون تفسير يمكن أن يكون نتيجة لصفقة مستترة في الحجرات الخلفية مع جهاز المخابرات التركي. (كان واحد منا قد ترك قوة الشرطة التركية بسبب رفضه العمل مع حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان ورفض السماح للمقاتلين الأجانب بالمرور عبر مدينة سانليورفا التركية الجنوبية).
على مدى العقد الماضي، تحولت تركيا إلى بلد فيه جيوب دعم كثيفة للجماعات السلفية الجهادية، بما فيها تنظيم "الدولة الإسلامية" والقاعدة، في المدن والبلدات والقرى الرئيسية على طول الحدود التركية مع العراق وسورية. وسوف يعتمد الاستقرار المحلي في تركيا على اتجاهات التطرف، والكيفية التي ستتجسد فيها الدرجات المتفاوتة من الدعم للجهاد بين السكان الأكراد (وعدد اللاجئين المتزايد) في المستقبل، وعلى كثافة التمرد الكردي العابر للحدود الوطنية.
تفاقم التهديد الذي شكله "داعش" مع عمليات التطهير التي نفذها أردوغان بعد انقلاب تموز (يوليو) الفاشل في العام 2016، والتي تضمنت استبدال قادة قوات مكافحة الإرهاب والمخابرات، بما فيها الشرطة، والجندرما وأجزاء من الجيش. ونتيجة لذلك، تم تكليف مجندين من قليلي الخبرة والتدريب نسبياً بإدارة عمليات مكافحة الإرهاب ضد خصم متطور ومعقد.
ثمة قضية أخرى هي أولويات أردوغان، التي تدور بشكل أساسي حول تدعيم السلطة والاستمرار في تطهير أن متعاونين مشتبه بهم في محاولة انقلاب العام 2016، وكذلك محاربة المتشددين الأكراد، بمن فيهم حزب العمال الكردستاني والحلفاء في سورية، وحدات حماية الشعب الكردية. ويشكل توغل الجيش التركي الأخير في عفرين في شمال غرب سورية مثالا واضحا على هذا الاتجاه.
على الرغم من حقيقة أن "داعش" بنى وجوده بالتدريج في تركيا على مدى السنوات القليلة الماضية، يبدو أن مواجهة الخطر الذي يشكله الإرهابيون المرتبطون بهذا التنظيم تحتل مكانا منخفضا على أجندة أردوغان. ويصح هذا بشكل خاص عندما يقوم "داعش" بمساعدة تركيا بالقتال ضد المجموعات الكردية في سورية، العدو الرئيسي المتصور لتركيا، كما فعل في شمال سورية وغرب العراق في نقاط مختلفة خلال الصراع.
ويرقى تسامح أردوغان المستمر مع مقاتلي "داعش" على التراب التركي إلى حد تقديم الدعم السلبي والموافقة الضمنية.
ويمكن أن يتطور الخطر الذي يشكله هؤلاء المقاتلون باستخدام تركيا كنقطة انطلاق إلى تهديد أكبر بكثير من ذلك الذي يشكله الإرهاب الكردي حالياً. وبذلك يكون التسامح مع "داعش" من أجل مقاتلة الأكراد سياسة خطيرة وقصيرة النظر. وسوف تؤدي إلى المزيد من توتير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول التعاون في مكافحة الإرهاب، والسفر بلا تأشيرة. وعندما يصل "داعش" إلى الكتلة الحرجة، فإن من المرجح أن ينقلب على مضيفه، تماما كما حول المتشددون المختلفون الذين دعمتهم باكستان في نهاية المطاف غضبهم ضد الدولة الباكستانية وقواتها الأمنية.
عندما يأتي ذلك اليوم، لن يعود إيواء المتطرفين قابلا للاستمرار بالنسبة لأردوغان وأنصاره. لكن الوقت سيكون قد تأخر كثيرا عند تلك النقطة. وربما تكون رغبة أردوغان في تجاهل التهديد القادم من "داعش" هي ما سيفضي في نهاية المطاف إلى أفوله السياسي.

*كولن كلارك: عالم سياسي في مؤسسة "راند" غير الربحية، وزميل مشارك في "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب" في لاهاي. أحمد يايلا: أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون، ورئيس شرطة سابق في مكافحة الإرهاب في تركيا.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Erdogan’s Fatal Blind Spot

التعليق