السكان يضجون بالشكوى

تلوث مياه ‘‘عين لحظة‘‘ بالطفيلة يراوح مكانه منذ شهرين

تم نشره في الأحد 25 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً
  • رغوة كيماوية واضحة تطفو على مياه عين لحظة بمنطقة الطفيلة- (الغد)
  • رغوة كيماوية واضحة تطفو على مياه العين- (الغد)
  • لافتة تحذير بعدم صلاحية مياه العين للشرب -(الغد)
  • مواشي سكان المنطقة ترتاد عين لحظة بالطفيلة للسقاية -(الغد)
  • تقرير رسمي يتحدث عن تلوث مياه عين لحظة -(الغد)
  • تقرير لوزارة المياه يظهر تلوث مياه النبع بالزيوت- (الغد)

مواطنون وتقارير رسمية تحمل "جفت لافارج" المسؤولية.. والشركة تنفي علاقتها وتؤكد اتخاذها إجراءات احترازية

فرح عطيات

الطفيلة – تتقاذف جهات حكومية كرة المسؤولية في قضية "تلوث مياه عين لحظة"، الواقعة جنوب محافظة الطفيلة، في ظل غياب خطة عملية وعلمية واضحة لمعالجة تلوثها، وتكرار شكوى أهالي المنطقة من بقاء المشهد على حاله منذ أكثر من شهرين تقريبا.
ووفق ما جاء في شكوى لأهالي المنطقة، فإن شركة لافارج الإسمنت الأردنية، كانت تعمل على تخزين مادة الجفت (مخلفات الزيتون)، المستخدم كبديل للطاقة، في إحدى المقالع التابعة لها، والواقع بالقرب من مياه عين لحظة، ما أدى إلى تسرب مادة الزيت والزيبار اليها، نتيجة هطل الأمطار الفترة الماضية.
وكانت تقارير صادرة عن مديريات البيئة والمياه والصحة، مطلع شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، وحصلت "الغد" على نسخ منها، كشفت عن وجود ارتفاع في المعالم العضوية (الكربون العضوي، ومادة الزيوت والدهون والشحوم)، وانبعاث الروائح الكريهة من العين.
فيما جاء رد الشركة لينفي "وجود علاقة بين تلوث العين ومادة جفت الزيتون"، لكن إدارة المصنع قامت باتخاذ إجراءات احترازية لنقل هذه الكمية إلى داخل المصنع حيث "لا يوجد أية كمية متبقية من مادة الجفت خارج المصنع" بحسب الرد.
هذه الإجراءات، لم تعالج مشكلة تلوث العين، بحسب شكوى الأهالي وما أظهرته صور، تم التقاطها من قبلهم للمياه، وحصلت "الغد" على نسخ منها، والتي يطغى عليها اللون الداكن، رغم وعود سابقة من قبل الشركة بايجاد طرق لمعالجتها.
وما تزال وزارة البيئة بانتظار أن ترسل وزارتا الصحة والمياه تقارير حول نتائج الفحوصات المخبرية الصادرة عن الجمعية العلمية الملكية، ليتم من بعد ذلك المضي قدما في الإجراءات، في وقت أكد فيه مديرا الصحة والمياه في المحافظة بأن "القضية لا تقع ضمن اختصاص المديريتين على اعتبار أن مياه هذه العين غير مخصصة للشرب".
ويستعرض المواطن جميل سلمان الرفوع، والذي يقطن في المنطقة منذ أكثر من 30 عاما، بداية مشكلة تلوث عين لحظة، ويقول لـ"الغد" أن "مياه العين، الواقعة على مثلث سياحي، وبالقرب من البرج، لم تكن ملوثة في السابق، وكان مواطنون يعتبرونها مصدرا للشرب، ولكن ومنذ شهرين تقريبا، لم تعد كذلك نتيجة تلوثها بمادة الزيبار التي تستخدم من قبل الشركة".
ولفت إلى أن "أهالي المنطقة تقدموا في وقت سابق بشكوى للجهات المختصة حول تلويث الشركة لمياه العين، ومن أجل حل المشكلة اقترح القائمون في الشركة تزويدنا أسبوعيا بمياه صالحة ونظيفة، لسقاية الماشية، بعد نفوق بعضها نتيجة شربها من العين، وهو ما أثبته الفحص البيطري".
و"لم تتجاوب الشركة أو الجهات المعنية مع مطالب الأهالي القاضية، بإيجاد حل جذري لمشكلة المياه"، التي على حد قولهم، هي "المتسبب الرئيسي".
وكانت الشركة قامت بوضع خمسة آلاف طن من مادة الجفت في مقلع، يتواجد في إحدى الأراضي التابعة لها، بحسب عضو مجلس محافظة الطفيلة أحمد السعودي، الذي أضاف لـ"الغد" أن الأمطار الأخيرة التي شهدتها المملكة، قبل شهر أو أكثر، جرفت مادة الزيبار، التي سبق أن تم تخزينها في ذلك المكان، لتتسرب في الحوض المائي الجوفي في منطقة بصيرا، والذي يمتد إلى منطقة لحظة وغرغور، ومنطقة ضانا.
ولفت إلى أن "تسرب تلك المادة إلى الحوض تسبب في تغير لونها، وانبعاث الروائح الكريهة منها، علما أن عين لحظة تتمتع بسمات رمزية قديمة، أكثر من كونها ترتبط باستخداماتها في الشرب، لكن الأمر سرعان ما تحول بعد تلوثها".
وأضاف أنه لدى اطلاعه على مشكلة التلوث، قام وعلى الفور بتبليغ المتصرف، وتم استدعاء شركة الاسمنت، لكن لم يكن لديهم روح المبادرة في التأكد من الموضوع، ومحاولة معالجة المشكلة، في وقت كان اثبت تقرير طبي صادر عن وزارة الزراعة، وبعد تشريح أغنام نافقة وجود مادة الزيبار، حيث تحتوي العين على أحماض عضوية "الفينولات".
ويعرف الزيبار بأنه ماء عادم أسود اللون ينتج من عملية عصر الزيتون، يسيل من الجفت (نواة الثمرة المعصورة) ويحدث ضررا بيئيا اجتماعيا واقتصاديا. ويظهر التحليل الكيماوي أن تكوينه يتضمن نسبة عالية من المواد الخطرة على حياة الإنسان كالحوامض العضوية (الفينولات) والتي يسهل امتصاصها من الإنسان والحيوانات.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بحسب السعود، "فالشركة أيضا تستخدم الفحم الحجري لتوليد الطاقة وكوشوك الاطارات، بعد حصولها على موافقات مسبقة من الجهات الرسمية، رغم أن المصنع يقع بالقرب من المناطق السكنية، التي تعاني من انبعاثات الروائح".
وأضاف أن "التقرير الصادر عن وزارة المياه ورغم ما اثبته من وجود تلوث في العين، إلا أنه تم وضع اشارة في نهايته بأنه غير صالح للشرب، وهو الأمر الذي يثير الاستغراب، ولا سيما أن هذه العين متعارف عليها منذ القدم بأنها تستخدم لغايات الشرب".
ولفت إلى أن "الشركة رغم الوعود التي قدمتها في وقت سابق لأهالي المنطقة، بمعالجة مشكلة المياه، والتلوث الحاصل في العين وتنقيتها، إلا أنها ما تزال لغاية هذه اللحظة تماطل في الاجراءات، وتقلل من أهمية الموضوع".
ويبعد المقلع عن عين لحظة، والذي كانت الشركة عملت على تخزين الجفت فيه، نحو 150 مترا، ليتحول فيما بعد إلى حوض كبير غير مستخدم، وفق عضو مؤسسة اعمار بصيرا بسام السعودي، الذي لفت إلى أن "الشركة وبعد أن أنهت عملها في المقلع، كان يفترض أن تعمل على تسليمه للقائمين على محمية ضانا، بهدف تحويله إلى متنزه، لكن لم تتم متابعة الموضوع من الجهات المعنية".
ويشكل "الجفت" 40 % من حجم ثمار الزيتون، إذ يعتبر مصدر وقود للتدفئة أكثر قوة وفاعلية من الخشب العادي، نظرا لاحتوائه على كمية من الزيت، تصل قيمة سعراته الحرارية إلى نحو 3200 سعر في كل كيلو غرام، مقارنة مع الخشب الذي قد يصل إلى 2200 سعر حراري.
فيما بين السعودي لـ"الغد" أن" الشركة عملت على استخدام العديد من المواد في عمليات الحرق، كان من بينها مادة الجفت، التي تسببت مياه الامطار بجرفها إلى مياه الحوض، وتلوث العين، وبعد اعلام الجهات المعنية بهذا الأمر توقعنا أن يتم اتخاذ إجراءات فورية بنقل مادة الجفت، ومن ثم وضع إشارة تدل على تلوث المياه، لكن لم يحدث ذلك".
ومن "ثم تم تشكيل لجنة من ممثلي مؤسسة اعمار بصيرا، والجهات المعنية، تكون معنية بمتابعة الموضوع مع الشركة، وبالفعل تم الاجتماع مع القائمين عليها، واتخذت على اثرها إجراءات، من بينها نقل الجفت إلى حرم المصنع، وبشكل غير أمن، لكنها لم تقم بالإجراءات الأخرى وأهمها ايجاد بديل عن المياه الملوثة أو معالجتها".
على أن شركة لافارج الإسمنت الأردنية، وفي ردها على شكاوى الأهالي، أكدت على أن "مياه عين لحظة هي مياه سطحية ومصادر تغذيتها متعددة، تقع في منطقة تكثر في محيطها تجمعات للمواشي، والتي تشكل بدورها أحد مصادر التلوث بالمادة العضوية (الكربون العضوي) والملوثات الأخرى، علما بأن مصادر المياه الخام (raw water)  مثل عين لحظة معرضة للتلوث والتغير في الفترات الأولى من المواسم المطرية".
ولفتت الشركة، في رد مكتوب لها على أسئلة "الغد"، إلى أن "مياه عين لحظة تصنف من قبل الجهات الحكومية بأنها مياه غير متحكم بها من ناحية الكمية والنوعية، وليست مصدرا مائيا مستغلا لأغراض الشرب".
وكانت "تلقت الشركة شكاوى من المجتمع المحلي وخاصة بعد هطل أمطار كثيفة في حينه عن تغيير لون مياه عين لحظة، وعلى الرغم من عدم وجود علاقة بين تلوث العين ومادة جفت الزيتون، قامت إدارة المصنع باتخاذ إجراءات احترازية لنقل هذه الكمية الى داخل المصنع، ولا يوجد أية كمية متبقية من مادة الجفت خارج المصنع"، بحسب رد الشركة.
وجاء في ردها ايضا أن "الشركة تستخدم بدائل الوقود المختلفة بموجب تراخيص من الجهات الحكومية، وبعد اجراء جميع الدراسات اللازمة، والتي أظهرت أن هذه البدائل أفضل من الناحية البيئية من الوقود التقليدي وتساعد في التخلص من هذه المواد وبشكل آمن بيئيا".
وفيما يتعلق بمادة جفت الزيتون، بينت الشركة أنها "تستخدم جفت الزيتون كأحد بدائل الطاقة في مصنع الرشادية والتي تصنف كوقود حيوي، يجري استخدامها على نطاق واسع في مصانع الاسمنت، وفي العديد من الدول التي تكثر فيها زراعة اشجار الزيتون".
ونوهت إلى انها "وقبيل البدء باستخدام الجفت كانت قد حصلت على جميع الموافقات اللازمة من الجهات الرسمية المعنية لاستخدامها، فيما اتخذت جميع التدابير اللازمة أثناء عملية التخزين، في المقلع الخاص بها والذي يبعد حوالي كيلو ونصف عن موقع عين لحظة".
ومن وجهة نظرها، فإن "هذه المادة من الناحية البيئية من أنظف المواد التي تستخدم في عمليات الحرق، وفي كثير من الأحيان تستخدم في تدفئة المنازل، كما وأن بعض مربي المواشي يقومون باستخدام مادة الجفت كعلف طبيعي للمواشي"، ما يؤكد على "التزامها (أي الشركة) واهتمامها بالتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، واتباع المعايير المحلية والدولية للصحة والسلامة وبالشراكة مع المجتمع المحلي".
وأشارت الشركة إلى أن "العينات التي تم اخذها من عين لحظة لفحصها تثبت وجود آثار لمادة جفت الزيتون"، في وقت تؤكد فيه أن "مصنع الرشادية مراقب بصفة مستمرة من كافة الجهات الرقابية المعنية، وأن جميع القياسات ضمن الحدود العالمية،
والتي هي أكثر تشددا من الحدود المحلية".
لكن رئيس بلدية بصيرا صالح سلمان أكد على أن "الشركة هي من تسببت منذ البداية في التلوث، بعد وضعها لكميات الجفت في المقلع التابع لها، وكما يبدو أن هذا المكان هو ذاته المزود لعين لحظة بالمياه، ونتيجة الأمطار التي تساقطت في الفترة الماضية، فإن المياه كانت ملوثة بمادة الزيبار"، وهو الأمر الذي "لا تنكره الشركة"، على حد قوله.
وبين أن "بلديته تواصلت في حينه مع الشركة ومع الجهات المعنية، مثل وزارات البيئة والمياه والصحة، لمعالجة المسألة"، علما أن " الطرق التي تستخدمها الشركة في توليد الطاقة، من حرق كوشوك الاطارات، أو الجفت، كلها بهدف التوفير لا أكثر، وأن مشكلة عين لحظة هي جزء فقط من التلويث الحاصل من قبل الشركة، الذي غير من معلم المنطقة ككل".
وانتقد سلمان، في تصريح "لـ"الغد" ما أسماه "تهاون الوزارات في التعامل مع القضية، وحتى نتائج فحوصات العينات، التي كانت قد أخذتها الجمعية العلمية الملكية من مياه عين لحظة، لم تصدر لغاية هذه اللحظة، في حين أن وزارة المياه، وفي نتائج فحوصات لها، قد اثبتت أن المياه ملوثة بالزيوت والشحوم". 
وأضاف "كنا قد خاطبنا الشركة ومنذ أكثر من ثلاثة اسابيع لعقد اجتماع وبحث آخر المستجدات، لكن لغاية هذه اللحظة، لم نحصل على الرد، والذي يدل على عدم اكتراث من القائمين عليها لمطالبنا".
واعتبر أن "حل المشكلة يكمن في أن تتحرك الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارتا البيئة والمياه، وغيرها، إذ أن البلدية ونظرا لوقوع العين خارج حدودها فإنها غير قادرة على اتخاذ أية إجراءات رسمية بهذا الصدد".
بيد أن مدير مياه محافظة الطفيلة المهندس مصطفى زنون أكد على أن " مياه عين لحظة تقع مسؤوليتها وبشكل تشاركي مع عدة جهات"، وبالتالي فإن مديرته "ليست الجهة الإدارية، أو صاحبة الصلاحية بأن تفرض على الشركة أي قرار".
وأما مهام مديرية المياه بحسبه، فهي "المساعدة في تحديد نوع المشكلة، بحيث أظهرت الفحوصات، التي أجريت في المختبرات التابعة لنا، وجود زيوت في مياه عين لحظة".  
وأضاف زنون أن "الحاكم الإداري أو لجنة السلامة العامة المحلية في المحافظة، والتي يشترك في عضويتها ممثلون عن وزارات البيئة والبلديات والمياه والزراعة، أصحاب المسؤولية في العين كل وفق اختصاصه".
"ولا تندرج مياه عين لحظة ضمن المصادر الخاصة بتزويد الأفراد بمياه الشرب، وانما لسقاية الماشية، ولو كان الأمر كذلك لكان تم حل المشكلة المتعلقة بها منذ بدايتها، ومن قبل الوزارة"، وفقا لزبون.
وحتى يتم التأكد من صحة ما ورد من شكاوى لأهالي المنطقة حول تلوث مياه عين لحظة نتيجة مادة الزيبار، "تم أخذ عينات من العين لفحصها من قبل الجمعية العلمية الملكية، حيث تم ارسال النتائج من قبلنا إلى وزارتي المياه والصحة، باعتبارهما الجهتين المعنيتين بفحص مياه الشرب"، وفق مدير مديرية البيئة في محافظة الطفيلة هشام الخلفات.
وأضاف الخلفات لـ"الغد" اننا "الآن ما زلنا بانتظار تقارير وزارتي الصحة والمياه، على ضوء النتائج الموجودة، ليتم اتخاذ قرار بشأنها، علما أنه لم يردنا أي شيء رسمي من قبلهما بهذا الخصوص".
وأضاف "لكن هذ الأمر لا يعني أن الشركة لم تعترف بأن هنالك خطأ ارتكب اثناء عملية تخزين مادة الجفت، وتم نقل الكميات إلى هنغر تابع لها".
ومنحت وزارة البيئة الشركة "مهلة حتى منتصف العام 2019  للانتهاء من عمل مستودعات خاصة، لتخزين بدائل الطاقة، وضمن الشروط البيئية".
وشدد الخلفات على أنه "تم في وقت سابق إجراء دراسة تدقيق بيئي، وبشراكة مع المجتمع المحلي، حيث استمر العمل في إنجازها ثمانية أشهر، كما أن بدائل الطاقة المستخدمة من قبل الشركة  هي ضمن المواصفات المحددة".
ولكن "هنالك بعض السلبيات التي تم الطلب من الشركة العمل على تصويبها، وهذا يدل على أن الوزارة غير مقصرة في عملها، وتتابع بشكل دوري المصانع، والتزامها بالمعايير البيئية، بهدف حماية المواطن والوطن".
بيد أن مدير مديرية صحة البيئة في وزارة الصحة المهندس صلاح الحياري أكد لـ"الغد" على أن "مياه عين لحظة ليست مصدرا للشرب، فلا تعد ضمن اختصاصات الوزارة". وقال "من يراقب على مصادر المياه المختلفة، ومن بينها الينابيع المائية، غير المخصصة للشرب هما وزارتا البيئة والمياه".

التعليق