إبراهيم غرايبة

ما بين التعديل الحكومي والسلام الوطني لبوركينا فاسو

تم نشره في الأربعاء 28 شباط / فبراير 2018. 12:06 صباحاً

ما القواعد الاجتماعية والبرامجية الراحلة والقادمة مع التغيير الحكومي؟ ماذا يعكس هذا التعديل وما علاقته بالبرامج والمصالح والطبقات المفترض أنها موجودة وتتجادل؟ الحال أن التشكيلات والتعديلات الحكومية تحولت إلى شأن بعيد جدا عن المجتمعات والمواطنين ولا تخصّ إلا عشيرة واحدة في البلاد هي العشيرة الوحيدة المتماسكة حول مصالح وعلاقات وواجهات عشائرية، وهي عشيرة الأوليغاركيا من النخب المغلقة على الأصدقاء والأقارب والشركاء والأتباع، ولا تختلف علاقتها بالمواطنين ومصالحهم وتشكلاتهم الاجتماعية إلا بقدر علاقتهم بالسلام الوطني لبوركينا فاسو.
يفترض أن المواطنين يقدمون في الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية قادتهم الاجتماعيين الذين يعبّرون عن مصالحهم وأولوياتهم واحتياجاتهم، ويفترض أن هذه القيادات المنتخبة تعكس جدلا اجتماعيا وفلسفيا وأنها أيضا تفرز من بينها الوزراء والقادة السياسيين والسفراء وشاغلي المناصب العليا، وفي ذلك تتحرك النخب وتدوّر وفق الانتخابات المفترض أنها تعبر عن الجدال والمراجعة في المجتمعات والطبقات والمدن والمحافظات،.. وبغير ذلك فلا معنى للتشكيل الحكومي كما التعديل والتعيينات في المواقع السياسية والإدارية، لكن إذا كانت الانتخابات لا تؤثر في حراك التشكيل السياسي والمناصب والتعيين والإقالة فإنها تتحول إلى هواية أو زينة غير ضارة، وتصبح المجتمعات غير قادرة على التأثير في السياسة العامة، وتنفصل عن الحياة السياسية وتشكيلاتها وقراراتها.
لم تعد الاعتبارات الاجتماعية والجغرافية والجهوية في التشكيل والتعديل تعني حراكا اجتماعيا حقيقيا، طالما أن هذه المدن والعشائر والانتماءات لم تعد تشكيلات متماسكة حول مطالب وأولويات ومصالح، هي في واقع الحال ليست سوى روابط قرابية أو اجتماعية، ليس لها طابع مؤسسي أو قانوني أو سياسي ولا تملك أدوات للتأثير أو مواردها الخاصة والمستقلة وليس لها تطلعات ومصالح اقتصادية واجتماعية، وأغلب ما يقال عن العشائر والعشائرية في الأردن يصور الطابع الاحتفالي والفلكلوري أو الروابط والمناسبات والتقاليد الاجتماعية في اتجاهات سياسية، وهذا يشبه الخرافة إن لم يكن خرافة بالفعل!
المتوالية الأخرى في الفشل والتشتت هي أنه لم يعد لدينا مجتمعات ومدن وجماعات ونقابات بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي، لقد تحول المواطنون إلى ما يشبه الساكنين في المدن والأحياء والعمارات بلا معالم عمرانية أو مدنية أو اجتماعية، ليست المدن والأحياء سوى صفوف من العمائر السكنية، ولا يملك أهلها ولاية أو علاقة بالخدمات والاحتياجات والمرافق والسلع الأساسية التي تهمهم، الأمن والتعليم والثقافة والأرصفة والحدائق والأندية والنظافة والسوق والرعاية الصحية والاجتماعية، ليسوا أكثر من زبائن منفصلين عن إدارة وتنظيم وتوفير هذه الأولويات والاحتياجات، ولا يملكون حتى قدرة الزبون على التأثير والاختيار.
لكن النخب السياسية عندما حولت المدن والمجتمعات إلى كيانات ضعيفة غير متماسكة حولت نفسها إلى "عمالة وافدة" غير مرتبطة بالمكان ولا بالناس، ليست سوى موردي سياسة وخدمات، وخسرت المعني في العلاقة المفترضة بين السلطة والمجتمعات، فالأمم جميعها (عدا ما يحدث في بلادنا) الصغيرة والكبيرة والفقيرة والغنية تنشئ علاقة وهوية مرتبطة بالمكان والموارد، وتتبع رواية للإدارة والقيادة والانتماء والمشاركة، ولا تقدر سلطة مهما أوتيت من القوة والبطش أن تلغي هذا المعنى إلا إذا ألغت نفسها، لقد أخرجت النخب نفسها من المجتمعات والطبقات.. والخروج من المجتمعات يساوي الخروج عليها!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا حياة لمن تنادي (حسام عبيدات)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2018.
    اشكرك على هذا المقال الممثل للواقع ، قد اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي.