إبراهيم غرايبة

الزراعة والمزارعون: ضحية التحولات أم الفشل؟

تم نشره في الأربعاء 7 آذار / مارس 2018. 12:06 صباحاً

تتراجع حصة الزراعة في الاقتصاد الوطني والتشغيل منذ سنوات طويلة، وتحولت إلى قطاع مليء بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية، مثل العمالة الوافدة، والعزوف عن الإقامة في الريف والهجرة إلى المدن، لكن لماذا استطاعت دول متقدمة أن تجعل الزراعة قطاعا اقتصاديا واجتماعيا ناجحا ومتقدما؟
مؤكد بالطبع أن الثورة الصناعية وما صحبها من تحولات اجتماعية واقتصادية غيرت كثيرا في القطاع الزراعي وحياة المزارعين إلى التهميش والفقر، هناك دائما فقراء جدد وأغنياء جدد في كل مرحلة اقتصادية، لكن الظاهرة الأكثر أهميةً أن الفقراء المحدثين هم الذين يشعلون الثورات والأزمات، لأنهم الأكثر إدراكاً للأزمة، والأكثر تضرّراً منها، فالفقراء من قبل تكيفوا مع الفقر، وقبلوا به، والأغنياء الجدد سيكونون، بطبيعة الحال، راضين عن الأوضاع الجديدة، ويدافعون عنها.
وفي الحالة المعاصرة التي نشأت بعد الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، شغل الكتاب والمفكرون والمؤرخون بظاهرة الفقراء الذين أنتجتهم الثورة الصناعية، مثل المزارعين وملاكي الأراضي والمهاجرين من الريف إلى المدن، الذين فقدوا مواردهم في الريف وضاقت بهم المدن، فعندما بدأت الثورة الصناعية تحل على العالم من دون إعلان، قلبت كل شيء رأساً على عقب. وفي دراسته الأزمة الاقتصادية في الثلاثينيات، يراجع كارل بولانيي التاريخ الاقتصادي المصاحب للثورة الصناعية، ما يجعل كتابه يصلح مختبراً لدراسة (واستعادة) حالات شبيهة ومماثلة لما يجري اليوم في الأزمة الاقتصادية العالمية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة للمعلوماتية والشبكية! فقد ارتفعت أسعار الحبوب والمواد الغذائية أضعافاً مضاعفة، وانخفضت أجور العمال، واختفت طبقة صغار المزارعين، وبدأت الآلة تحلّ محل اليد العاملة على نطاق واسع، وضاقت المساكن في المدن بأصحابها، وانتشر التشرّد والإدمان والجريمة على نطاق واسع.
وتجنبت الحلول والاقتراحات والتفسيرات التحولات المصاحبة للثورة الصناعية، ووجهت الدعوات إلى الفقراء (الفقراء فقط!) للتقليل من الطعام والتقشّف، والتقليل أو حتى الاستغناء عن الشاي وسيلةً لتخفيف الفقر والحاجة. والأكثر ذكاءً أو جرأةً من الدراسات اتجه إلى القوانين والتشريعات السائدة لتحميلها المسؤولية عن الفقر، لماذا غابت الإشارات التي تنبئ بالتحولات الوشيكة والحتمية المصاحبة للصناعة؟ يتساءل المفكر الاقتصادي بولانيي، بل ويؤكّد أيضاً أن مراقبين معاصرين كثيرين أغفلوا التحولات المصاحبة للصناعة في فهم التاريخ الاقتصادي والاجتماعي الذي تشكل وغيّر العالم، وذلك على الرغم من الإجماع والبداهة اليوم على الأثر الذي أحدثته الصناعة في حياة العالم وموارده وتشكلاته الاجتماعية والثقافية.
اليوم تنشأ حالة مقلقة من الاحتكار، فإحاطة الموارد الخام للاقتصاد الجديد ببراءات اختراع يبدل كيفية التعامل مع هذه الموارد بصورة جوهرية. وعلى سبيل المثال، اشترت مجموعة من الشركات الملكية الفكرية للبذور الزراعية المهجّنة والمطوّرة، وصارت تتحكّم في البذور، ومن ثم الزراعة والإنتاج الزراعي. وكسرت، للمرة الأولى في التاريخ العلاقة التاريخية بين الفلاحين والبذور الزراعية؛ فهي بذور تؤجر للمزارعين لاستخدامها مرة واحدة، ولا يحق لهم إعادة استخدامها. ولأجل ضمان حقها في منع إعادة استخدام البذور، أدخلت الشركات تقنيات تعقيم (من العُقْم) تحول دون إعادة استزراع البذور! وبالطبع، يدفع ذلك الفلاحين إلى الاعتماد الكامل على الشركات، ويضعهم تحت رحمتها، ويجعلهم مهدّدين بالإفلاس.. كان ذلك تحولاً كبيراً في تاريخ الزراعة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أحد أهم سبل كشف التهرب من ضريبة الدخل هو التواصل الذكي بين أنظمة ضريبة الدخل وضريبة المبيعات والجمارك (تيسير خرما)

    الأربعاء 7 آذار / مارس 2018.
    قد نغض الطرف عن محاولة أي قطاع ثني الحكومة عن زيادة نسبة ضريبة الدخل على أعضائه مع أن ذلك يعتبر بحد ذاته محاولة تهرب من توزيع المساهمة بتكاليف الدولة على القطاعات كافة بعدالة، ولكن لا يمكن أن نغض الطرف عن اعتراض أي قطاع على فرض ضريبة مبيعات أو جمارك على سلع وخدمات ذلك القطاع أسوة بغيره من القطاعات التي تساهم في تحمل تكاليف الدولة، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بخوف ذلك القطاع من كشف تهرب أعضائه من ضريبة الدخل خاصةً أن هنالك تواصل تقني بين أنظمة ضريبة الدخل وضريبة المبيعات والجمارك.