تحرير التجارة والإجراءات الحمائية

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

الدكتور خالد واصف الوزني

التوجهات التي انتهجتها الإدارة الأميركية حديثا حول فرض بعض الرسوم الجمركية على استيراد الصلب والألمنيوم بنسب تصل إلى 25 % و10 % على التوالي ليست بالجديدة من حيث الإجراء، فقد قامت الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات مماثلة من قبل إبان حكم الرئيس نكسون عام 1971 وريجان خلال عقد الثمانينيات والذي وصلت في حقبته بعض الرسوم على المنتجات الالكترونية اليابانية إلى نحو 100 %. 
بيد أن المعضلة أو الأزمة التي أطلقتها توجهات الإدارة الأميركية الحالية مؤخرا تمثلت في الشعور العام لدى معظم الدول، وخاصة الحلفاء الرئيسيين في أوروبا، إن ما يجري اليوم هو توجه حمائي واضح وليس مجرد إجراءات جمركية تهدف الى الحفاظ على تنافسية السلع أو المنتجات الأميركية.
ومن هنا جاءت التسريبات المتعددة من قبل مجموعة من الدول على أن استمرار التوجه الحالي هو بمثابة قرع لطبول حرب تجارية بين الدول تعني في النهاية تبني سياسات تجارية حمائية تحد من التبادل التجاري وتذهب بمكتسباته الكبيرة في مجال التنافسية وتخصيص الموارد.
في ميزان التجارة العالمية تشكل الولايات المتحدة كتلة تتجاوز 16 % من اجمالي الناتج العالمي  وتأتي في المرتبة الثانية عالميا في مجال الصادرات، في حين تشكل أوروبا مجتمعة نحو 19 % من ذلك الحجم وتترأس ألمانيا دول المنطقة الأوروبية في مجال الصادرات وتأتي في المرتبة الثالثة عالميا.
وفي الوقت نفسه فإن الصين باتت اليوم ثاني أكبر اقتصاد عالمي وباتت الاولى عالميا في الحجم التصديري. ومن هنا فإن اشتعال حرب تجارية بين الكتل الكبرى سيعني انخفاض تلك النسب في التجارة العالمية خاصة وأن التبادل المشترك بين تلك الكتل هو الأعظم في التجارة الدولية، ما يعني إعادة الحساب بالنسبة لموازين القوى التجارية ولموازين العملات الصعبة وموازين التبادل التجاري خارج نطاق تلك الدول.
ولعل المستفيد الأكبر من ذلك كله سيكون الدول الأكثر استقبالا لمنتجات تلك الدول، نظرا لزيادة حدة التنافس على الأسواق بين الكبار من جهة، ما ستقدمه تلك الدول، من ناحية أخرى، من دعم للسلع المُصدرة مما سيخفض أسعارها النسبية في النطاق العالمي.
وعلى صعيد آخر، فإن معطيات الحماية التي قد تلجأ اليها الدول التي هي خارج نطاق ميدان المعركة أو الحرب التجارية سيشكل أكبر تراجع أو خروج عن منظومة تحرير التجارة التي تتبناها منظمة التجارة العالمية، بما في ذلك منظومة إغراق الأسواق، ومنظومة حرية التحرك التجاري للسلع، ومنظومة تحرير الدعم، أو منع الدعم.
استمرار التوجهات الأميركية والهزات الارتدادية التي قد تتبناها دول العالم الأخرى هو بمثابة ردة حقيقية عن مفهوم تحرير الأسواق والتنافسية، وهي بمثابة صياغة لمرتكزات تجارة خارجية جديدة بطعم قديم. باعتقادي أن الإدارة الأميركية مطالبة بإعادة النظر في نهج الحماية، ومطالبة بإبراز أن ما تم اتخاذه من توجهات هو مجرد إجراءات مؤقتة وليس سياسة دائمة مناهضة لتحرير الأسواق والتنافسية.
وختاما، فإن التوجهات التي بدأت بها الإدارة الأميركية الحالية في مجال تخفيض الضرائب وتشجيع الاستثمار وتوسيع الأسواق كانت بداية جيدة ظهرت نتائجها الإيجابية بوضوح على مستوى الاستهلاك وعلى مستوى توليد الوظائف، وهي سياسات توسعية حكيمة في ظل حالة الركود التي كان يعاني منها الاقتصاد الأميركي، إلا أن ما تم اتخاذه من إجراءات تجارية حديثة تشير إلى أن البوصلة تتجه نحو الإضرار بالسياسات السابقة في الأجل الطويل وأن الحكمة تتطلب الإيضاح إلى أن تلك هي مجرد إجراءات وقتية محددة ولن تتعدى ذلك، كما أن من الضروري عدم تطبيق تلك الإجراءات على الدول التي وقعّت معها الولايات المتحدة اتفاقيات تجارة حرة، مثل الأردن وكندا والبحرين وغيرها من الدول، وبخلاف ذلك فإن نيران الحرب التجارية ستصيب الحلفاء الرئيسيين أكثر من الدول المستهدفة أصلا من تلك المعركة.

التعليق