محمد أبو رمان

الأسئلة الحرجة!

تم نشره في الخميس 15 آذار / مارس 2018. 12:09 صباحاً

عزّز فكرة هذا المقال لديّ، وكنتُ متردداً فيه، مقالٌ آخر قرأته أمس للمفكر السياسي والمعارض السوري المعروف د. برهان غليون، أحد أهم الكتّاب العلمانيين والليبراليين الديمقراطيين العرب (نشره مؤخراً في جريدة العربي الجديد) بعنوان "هل أخطأ المثقفون في فهم الشعوب الغارقة في الجهل والطائفية"؟!
المقال ينقل رسالة من قارئ لغليون مليئة بالغضب من مآلات الربيع العربي ودور المثقفين الذين دفعوا شعوباً – يصفها المرسل بأنّها غير مؤهلة للديمقراطية- إلى الثورة وطلب الحرية، فكانت النتيجة دماراً ودماءً وانقلابات، ويصل المرسل إلى نتيجة بأنّ الوضع السابق كان أفضل!
جواب غليون، كما هي حال أجوبتنا نحن معشر الإصلاحيين الداعين دوماً إلى الديمقراطية، تمثّلت بإحالة الثورات إلى شروطها الحقيقية من فساد النظام الرسمي العربي، وهو يركز على النموذج السوري، الذي وضع جرثومة الطائفية والتعصب في المجتمع، وفي التأكيد على أنّ هنالك تمايزاً في المجتمع بين طبقة تؤمن حقاً بالديمقراطية وطبقات أخرى لديها مفاهيم خاطئة عن الدين والديمقراطية والحرية والطائفية.
على أيّ حال، هذه الأسئلة تعيد مرّة أخرى فتح ملفات الربيع العربي، الذي من الواضح تماماً أنّه لم يكن غمامة صيف عابرة، كما يشتهى السياسيون المحافظون، بل هو لحظة انتقالية، لها ما بعدها، سواء كانت مراحل تحول ديمقراطي أو أزمات داخلية، وربما حروب أهلية وطائفية.
لكنّ في المحصلة من المهم أنّ ندرك بداية أنّ ثورات الربيع العربي لم تكن مؤامرة خارجية، وفي الوقت نفسه لحظة خاطفة، أو حتى نهاية لحقبة الاستبداد وبداية اللحظة الديمقراطية في العالم العربي، لأنّ التجارب جميعاً متعثّرة اليوم، سواء تلك التي تخطت مراحل خطرة، مثل تونس والمغرب، أو التي عادت عقوداً إلى الوراء، وربما قروناً، مثل مصر، أو التي دخلت في كارثة حقيقية من الحروب الداخلية والصراعات الدولية والإقليمية بالوكالة، كما هي الحال في سورية واليمن وليبيا.
صحيح أنّ وضع الحق على الربيع العربي والشعوب والمؤامرة الخارجية والتغني بالدكتاتورية والأنظمة الدموية هي أجندة كارثية بمعنى الكلمة، لا تقدّم جديداً سوى المطالبة بأن نبقى مخلوقاتٍ لا شعوباً لها كرامتها وحريتها. لكن – في الوقت نفسه- دعونا نعترف أنّ التيارات الإصلاحية تعاملت مع الديمقراطية والمطالب بالحرية والتحرر السياسي بقدر كبير من السطحية والسذاجة والرومانسية!
لا يعني ذلك – بكل تأكيد- الاستسلام للرؤية الاستشراقية التي تقول بأنّ الشعوب العربية غير مؤهلة أو مهيأة للديمقراطية والحرية، فذلك حكم بالإعدام المسبق ومصادرة آدميتنا، والقبول بالدونية. إنّما المقصود أن ندرك تماماً أنّ الديمقراطية لن تتحقق بين ليلةٍ وضحاها، وأنّ خريطة الطريق التي نرسمها للوصول إلى الأنظمة الديمقراطية والتعددية، التي تمثّل الحدّ الفاصل بين العبودية البشرية للحاكم والحرية الإنسانية الحقيقية، هذه الخريطة لا بد أن تقرأ جيداً التضاريس الثقافية والمجتمعية والاقتصادية، وأن تفيد من تجارب الأمم والمجتمعات الأخرى، لأنّها عملية تاريخية مرحلية متعرّجة!
هذا ليس بدعاً من القول، لكنه تذكير بمقولات المدرسة الثقافية الإصلاحية العربية، التي وإن أخطأت في تجاهل الإصلاح والنضال السياسي، فإنّها توافرت على رؤية مُحكمة لأهمية الإصلاحات الدينية والمجتمعية والثقافية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاستعصاء (بسمة الهندي)

    الخميس 15 آذار / مارس 2018.
    الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات الاساسية هي اليوم قيم عالمية، والتحرك باتجاهها يشمل العالم كله. هناك شعوب ودول أصبحت تلك القيم راسخة فيها مع الوقت، وليس مصادفة أن شعوب تلك الدول تعيش ظروف أفضل من غيرها.
    هناك دول ومناطق ما زالت مستعصية على تلك القيم وبنسب متفاوتة، ومنها منطقتنا العربية.
    اليوم، في الولايات المتحدة هناك حراك شعبي من حركات نسوية وأقليات وطلبة وعمال ومثقفين وأكاديميين وصحافة تسعى للجم اعتداء أدارة ترامب على تلك القيم (وزير الخارجية الجديد عنصري، ومسؤولة المخابرات المركزية الجديدة متورطة بالتعذيب)، وتفتح أفاق لأسئلة جديدة مثل "التفاوت الطبقي الشاسع بين الاغنياء وبقية الأمريكيين".
    علينا أن نعترف بأن الأسباب التي أدت إلى ظهور الديمقراطية وانتشار قيم حقوق الانسان حدثت في غالبيتها خارج المنطقة العربية مثل الثورة الصناعية، ولذلك نحن مستقبلون لتطور الحضارة البشرية لا مرسلون.
    لماذا ما زالت الديمقراطية وحقوق الانسان مستعصية على منطقتنا؟ هذا هو السؤال المهم والجواب يبدأ من عند من يحتكر السلطة المطلقة لا الناس الغلبانة المغلوبة على أمرها.
    الربيع العربي كان محاولة لتجاوز هذا الاستعصاء والتناغم مع حركة التاريخ والقيم العالمية.
    رسالة الربيع العربي في جوهرها كانت؛ حرية التعبير والعمل السياسي من أجل المطالبة بحقوقنا الاقتصادية والعدالة الاجتماعية للحفاظ على كرامتنا الانسانية. التحرر من الخوف والتحرر من الحاجة.