علاء الدين أبو زينة

مَقطَع طَريق..!

تم نشره في الخميس 15 آذار / مارس 2018. 12:07 صباحاً

في إحدى مناطق عمان، ثمّة مقطع من الطريق فيه حفريات لتمديدات ما. طول المقطع نحو عشرين إلى ثلاثين متراً فقط، وهو منعطف قصير ومخرَج من شارع رئيسي إلى آخر. في اليوم الأول، فوجئت به مغلقاً بحواجز، وتحوَّل مستخدموه قَسراً إلى شارع ضيق تحفه السيارات المتوقفة على الجانبين ويسير في اتجاهين. وكان المرور بالشارع البديل مع التقاء المركبات المتعاكسة تجربة توتر الأعصاب، واستغرق الخروج إلى الشارع الرئيسي مرة أخرى نحو ساعة.
جرّبت بعد أسبوع استخدام المَخرج، فوجدته ما يزال مغلقاً وعلِقتُ مرة أخرى في الشارع الضيق الآخر. وباختصار، ما يزال العمل جارياً في المقطع المغلَق منذ نحو عشرين يوماً، وسوف يستمر على الأغلب لفترة مجهولة قادمة (بدون شيء من نوع: "نأسف لإزعاجكم ونعمل لراحتكم).
لدى النظر في حجم "المشروع"، لا يبدو أن فتح خندق وردمه في هذه المسافة يحتاج كل هذا الوقت، حتى لو أنهم ينشئون شارعاً من الصفر بهذا الطول. لكن العمل في هذا المقطع من الطريق يتبع النمط فقط: إنجاز ما يتطلب عمله ساعة في أسبوع، وما يتطلب أسبوعاً في شهر، وهكذا.
عندما تمر بهذا المقطع، لا تشعر بأن العمل جارٍ "على قدم وساق"، أو أنّه منظم ومرتب ويزوِّد مستخدمي الطريق ببديل مريح. ويذكّرني مشهدُه بنقيضِه عندما كانت شركات صينية أو كورية تنفِّذُ أشغالاً في طرُقنا قبل بضعة عقود. وشاهدتهم مرة يضعون أنابيب كبيرة من الإسمنت تحت الشارع في حيِّنا، وكانت طريقة العمل مُلفتة. أولاً، كان معظم العمل يتمُّ في الليل. ثانياً، كانوا يحفرون نحو عشرين متراً كل مرة، ويضعون فيها الأنابيب ويردمونها ويعبدونها في زمن قصير، ولا يحفرون الشارع بطوله مرة واحدة. وبذلك كان قطاع العمل قصيراً لا يغلق كل الشارع ويُنجَز مباشرة. ثالثاً، كنتَ تشعُر بأن موقع العمل خلية نحل حقيقة لا تهدأ ليلاً ولا نهاراً. وفي النهاية، انتهى العمل في أقصر وقت وأقل قدر من المضايقة. وفوق ذلك، زوّد المشهد سكان الحيّ بخبرة غير مألوفة يحتفظون بها ويقارنون، ويتحسرون.
لا شك أن لدى الجميع شكاوى مشابهة من أشياء كثيرة لا تسيرُ بسلاسة وكما يجب، سواء في الشوارع أو المعاملات والأعمال، وحتى في المناخ العام نفسه. ورُبما يشكل التعامل مع مقطع الطريق القصير -بهذا الكسل والفوضى والغبار، والاستخفاف بمصالح ووقت ومشاعر المستخدِمين- صورة مختصرة وكثيفة لكيفيات العمل والإنجاز على المستوى الوطني. وقد أصبحت هذه الكيفيّات ثقافة رسمية وشعبية مُضجرة ومحبطة، من النوع الذي تتورّط فيه مجتمعات "العالم الثالث"، ويكون انتزاع الأقدام منه مرتقىً صعباً.
العملُ على طريقة "مقطع الطريق" المذكور، بالبطء والتردد وقلة الجدية، ينطبق على طُرق الإصلاح الاقتصادي والسياسي والتعليمي والثقافي. وأنتَ تشاهدُه في مشاريع تحسين الديمقراطية والأحزاب والبرلمان؛ وفي مشاريع استخراج المعادن والثروات؛ ومشاريع تطوير التعليم؛ والبنية التحتية والنقل العام؛ ومشاريع ردم المسافة بين المواطن والدولة -وحتى تمديد ماسورة ماء إلى بيتك. ويلقي النمط بظله على حاصل جمع كل شيء: الطريق إلى المستقبل، الذي يريدونه مؤثثاً بالضوء والبنية التحتية وأشياء تسرُّ الخاطر وتخفف من وحشةِ الطريق.
ربما للأمر علاقة بالمؤسسية؛ بتخطيط المشروع من الألف إلى الياء وبمختلف العناصر والتفاصيل بحيث يصبح كياناً قائماً بذاتها ومتحركاً بآلياته الخاصة، بلا خضوع للمزاجات والاجتهادات والصُّدَف. ويبدأ ذلك من تخطيط الفرد يومَه وعمله، امتداداً إلى عمل المنظومة الاجتماعية والوطنية، إلى عقلية واضع السياسات والاستراتيجيات. ويُمكن افتراض أن هذا التكوين يبدأ من أعلى إلى أسفل، ممن يمتلكون أدوات الضبط والترتيب. ومن الصعب توقع أن يشتغل العامل اليدوي في مقطع الطريق –أي مقطع طريق- بالسرعة والجدية والتنظيم اللازمة إذا لم يعمل ضمن منظومة مثل تروس الساعة، وفق مخطط وتحت رقابة. وبالقطع، لا يُمكن توقع أن تتحرك ثقافة الشارع والناس والحياة بطريقة توحي بالتنظيم واللياقة والجدوى بينما يسيرُ كل شيءٍ على عواهنه.
أصبحت مشاعر السأم والتأفف مصاحباتٍ لخبرتنا اليومية. دائماً هناك المقاطع المغلقة على طريق مسيرنا، بلا تحويلات معقولة ولا وعدٍ صادق بموعد فتح الطريق. ودائماً يظل الطريق الذي نسير فيه كلُّنا منقطاً بالكثير من المقاطع المغلقة.

التعليق