عقّدونا

تم نشره في الأحد 18 آذار / مارس 2018. 12:05 صباحاً

مليون وسبعمائة وخمسون ألفا ليس عدد الوظائف المتوفرة في الاردن، أو عدد ضمم الخبيزة التي قمنا بتصديرها للخارج، أو عدد الأردنيين غير الحاصلين على أي نوع من القروض البنكية، هذا الرقم الكبير هو عدد المرضى النفسيين في الأردن! 

في الدول المتقدمة يحظى المريض النفسي بكل أنواع الرعاية، فلا يتم تعريضه لأي ضغوط، ويتم توفير سبل الراحة والعلاج له، بينما نحن أكثر من ربع الشعب الأردني أصبحوا يتكلمون مع أنفسهم من الطفر والظروف المعيشية الصعبة ومع ذلك تدرس الحكومة إخضاعهم الى الضريبة!

يقال إن الأسباب التي تؤدي الى ظهور الامراض النفسية عبارة عن تداخل وتفاعل الظروف الخارجية البيئية (المادية، والاجتماعية) مع الظروف الداخلية (النفسية، والجسمية) بشكل معقد وجارف يقود الفرد الى الكثير من السلوكيات على الصعيدين الداخلي والخارجي. 

مثال ذلك: أن تجد مواطنا أردنيا لا يوجد في جيبه خمسة دنانير ظرف مادي، فتعطيه الزوجة التي هي ظرف اجتماعي فاتورة كهرباء بخمسين دينارا، يتفاعل الظرف المادي والاجتماعي مع الظرف النفسي والجسدي فيفرط الأردني من الضحك عند مشاهدته الفاتورة كدليل على أن عقله أصبح (تررلي)! 

الفاتورة قادت الفرد الأردني الى كثير من السلوكيات غير التكيفية، على الصعيد الخارجي أظهر أسنانه وقام بالضحك على فاتورة وليس نكتة، أما بالنسبة للصعيد الداخلي فتجده دائما سرحانا يفكر متى يخلص من هذه العيشة؟! 

لله الحمد، لم نتعرض في الاردن لويلات وحروب وكوارث طبيعية وهي أهم الأسباب أيضا للصدمات النفسية، بل تعرضنا لحكومات ومجالس نواب وكوارث اقتصادية شكلت بالنسبة لنا صدمة أقوى من صدمة تريلا محملة بالأبقار والعجول!

فالحكومة عند مناقشة الموازنة العامة للدولة لم تحتمل دعم البلابيف ورفعت أسعاره لسد العجز المالي، وبعد اقرار الموازنة لم تمانع الحكومة من شراء سيارات مرسيدس لرؤساء البلديات في ظل الظروف المالية الحرجة للدولة، كيف لا نصاب بانفصام ونحن نشاهد تراكم النفايات في الشوارع لنقص آليات النظافة، بينما يتنقل رئيس البلدية من منزله الى مبنى البلدية وسط النفايات والقارص والذباب بمرسيدس حديثة الصنع، أي عقل هذا القادر على استيعاب تناقض البلابيف والمرسيدس! 

كيف لا نصاب بانفصام ونحن من كنّا نسمع ونرى شعارات النواب وهي تتحدث عن محاربة الفساد ووقف تغوّل الحكومات على جيب المواطن والعدالة الاجتماعية، بينما نرى كتبا حكومية سُطرت بتعيين أقارب أحد النواب على الفئة الثالثة لأن النائب أعطى الحكومة الثقة، أي عقل هذا القادر على استيعاب سلوكيات النواب لدرجة بيع الوطن والمواطن والشعارات بوظيفة مراسل! 

لم يعد يأتي الى بلادنا حتى الجراد لنقول إن الحكومة تعرضت لظرف طارئ، ولم تترك الحكومة شيئا يؤكل أو يشرب أو يلبس أو يستهلك أو يحلب أو يبيض الا ورفعت أسعاره، ووزير التخطيط ما يزال يوقع قروضا مع الدول والبنوك أكثر مما يوقع إجازات لموظفيه، كيف لا أصاب بانفصام ونحن مهما رفعنا، واقترضنا، وشحدنا، وحاربنا الفساد، وأوقفنا التعيينات، وأجلنا المستحقات، وجلبنا الاستثمارات، ومع كل ذلك يعود العجز اللعين ليظهر في الموازنة مع نهاية كل عام! 

لم أقتنع أن خطط الحكومة الاقتصادية والتحفيزية لم تنتج فقط سوى مليون وسبعمائة وخمسين الف مريض نفسي، أي أن حديثهم عن تخفيض الاستهلاك ومن ثم موافقتهم على سيارات المرسيدس عقّدت كل الشعب الأردني!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أبدعت (HUSSAM)

    الأحد 18 آذار / مارس 2018.
    انت رائع جدا جدا
  • »عقدونا (يحيى)

    الأحد 18 آذار / مارس 2018.
    أشكر الاستاذ صالح على هذه المقالة التي تمثل أغلب أفراد المجتمع , ولكن يا أستاذ لا حياة لمن تنادي, فهناك أمور أهم من الوطن تشغلهم . مين وطن ومين مواطن , هذا آخر ما يخطر ببالهم , إذا خطر