علم الاجتماع في قفص الاتهام

تم نشره في الثلاثاء 20 آذار / مارس 2018. 12:06 صباحاً

قبل أكثر من عقدين طرح احد كتاب الاعمدة في صحيفة اردنية مرموقة سؤالا حول اسباب غياب علم الاجتماع عن ما يمر به المجتمع من تغير وتغيير وندرة الدراسات التي تبحث في العوامل المؤدية لهما والآثار الناجمة عنهما . في تلك الايام وحتى اليوم لا رأي يذكر لعلم الاجتماع في النقاش الدائر حول عشرات القضايا التي شغلت الناس في مجتمعنا, فالأساتذة ليسوا معنيين بدراسة الظواهر ولا المجتمع مهتم بالتفسيرات التي قد يقدمونها باعتبارها تتناول مجالا من المجالات التي لا مساحة للبحث فيها لغير الشيوخ والخطباء والقساوسة.
في بعض الحالات التي يضطر فيها المختصون بعلم الاجتماع أن يقدموا رأيا أو مشورة لوسائل الاعلام التي تحرص من وقت لآخر على تطعيم برامجها بآراء وفتاوى اجتماعية  يتجنب المختص الحديث عن الظاهرة المحلية ويقفز للاستعارة من النظريات التي تم تطويرها في مجتمعات اخرى  مما يجعل الرأي المعطى  غريبا عن الواقع واقرب ما يكون الى عرض نظري عاجز عن الإحاطة بجوانب وأبعاد الظاهرة مدار السؤال والبحث.
  لسنوات طويلة كان الناس في مجتمعنا وما يزالون يتساءلون عن اسباب تغير العلاقات وضعف الترابط الاجتماعي وتدهور مكانة كبار السن  وتدني مستوى اهتمام الاجيال بالزراعة والعمل اليدوي  وتزايد معدلات الطلاق وارتفاع معدلات الانتحار وانتشار جرائم الاعتداء على الاشخاص والاموال والممتلكات وتردد الافراد في التعبير عن افكارهم ومواقفهم من السلطة او التعبير بشكل  فاضح.
    الى جانب شح المياه وندرة الموارد والفقر والمديونية والفساد هناك نقص في المعرفة وتواطؤ على قبول حالة الجهل فلا احد يفسر لنا اسباب التناقض بين الاقوال والافعال ولا تفشي قيم الاستهلاك وخيارات الناس في السكن والزواج والوظيفة، ولماذا يصر الناس على بناء وتملك بيوت لا يستخدمون ربع مساحتها او الدوافع وراء استسلام الشباب للبطالة وقضاء الفرد نصف عمره الزمني بانتظار وظيفة في القطاع العام بالرغم من قلة العائد المالي لها بالمقارنة مع ما يمكن الحصول عليه لو اتجه نحو التشغيل الذاتي.
 هناك المئات من الظواهر التي  تفرض نفسها على المجتمع وتتسع رقعة تأثيرها دون ان تجد من يدرسها. غالبية ما يدور في المجتمع حول هذه الظواهر ينحصر في قبول وجودها او رفضها وانكارها وتأكيد الباحث او من يتناولها على اصالة المجتمع الاردني واعتبار الظاهرة دخيلة على المجتمع وعاداته وتقاليده، مما يقتضي الرفض والانكار لوجودها واعتبارها عابرة او عرضية كما كان يقول دريد لحام.
السؤال الذي طرحه الكاتب الصحفي في تسعينيات القرن الماضي ما يزال قائما ويطرح نفسه مجددا "لماذا غاب علم الاجتماع عن ساحة التغيير والتغير في المجتمع الاردني؟ وكيف أثّر ذلك على مستوى المعرفة بالظواهر الاجتماعية والانسانية وطرق معالجتها؟"
 للاجابة عن هذين السؤالين ينبغي الاشارة الى حقيقتين تتعلق الاولى بطبيعة المجتمع الاردني  والقوى المهيمنة عليه وترتبط الاخرى بتجربة الاساتذة والرواد الاوائل في التعاطي مع الظواهر الاجتماعية واستجابة المجتمع والقوى المؤثرة لمحاولاتهم.
فيما يخص حركة المجتمع هناك اتجاهان احدهما محافظ يعمل على وقف التغير وضبط التغيير او التحكم به وتوجيهه في اتجاهات ومسارات محددة  فيما يعمل الاتجاه غير المحافظ على إحداث التغيير وتفهم التغير والتعاطي معه باعتباره حقيقة متأصلة في طبيعة كل الاشياء.
في مجتمعاتنا تتشكل القوى المحافظة من الدولة واجهزتها والقوى الدينية بما فيها من شيوخ وقساوسة اضافة الى النخب السياسية والاقتصادية القريبة من الدولة والناطقين باسم العشائر والجماعات العرقية والدينية والاقليات. في حين تتشكل قوى التغيير من الطلبة وبعض اساتذة الجامعات وبعض القوى الحزبية وتشكيلات المجتمع المدني والقوى الشبابية.
  فيما يخص الرواد الاوائل من علماء الاجتماع فقد حاول البعض في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إجراء بحوث ودراسات على ظواهر اجتماعية  مثل تغير القيم الاجتماعية والتحول من البداوة الى الاستقرار  والجريمة والانحراف  والبناء الديمغرافي للمجتمع الاردني وغيرها، وقد واجه هؤلاء الرواد العديد من الضغوط والعقبات والاتهامات التي دفعت البعض الى التوقف والبعض الآخر الى العزوف عن المخاطرة في الدخول الى المجالات التي أعطي حق الافتاء فيها للشيوخ والسلطات السياسية والعشائرية والامنية.
اليوم وبالرغم من تغير الظروف والاوضاع ووجود حاجة اجتماعية ومعرفية، بقيت الاجيال الجديدة من علماء الاجتماع تحت تأثير معاناة أسلافهم يترددون في تناول القضايا خوفا من  ملامسة القضايا التي تقع في المجال الديني والامني والقبلي او السياسي.

التعليق