‘‘سجل عالدفتر‘‘.. ملاذ مواطنين يعانون ظروفا معيشية صعبة

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً
  • دفتر ديون في بقالة بعمان - (ساهر قداره)

منى أبو صبح

عمان- منذ ستة عشر عاما، لم يتردد محمد الديرباني صاحب أحد المحلات التجارية من إدانة زبائنه يوما في منطقة صويلح، مراعاة للظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها الجيران والأصدقاء، والتي ازدادت سوءا هذه الأوقات، خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار الحاد في السلع الضرورية.
يقول الديرباني لـ"الغد": "أصبح لدينا في المحل ثلاثة دفاتر لتسجيل ديون الزبائن، وتكاد تصل لغاية اثني عشر ألف دينار، وهو مبلغ كبير، ومع هذا لا أستطيع إيقاف الدين مراعاة لأحوالهم، بل على العكس أحيانا أقوم بتزويدهم بالمواد التموينية إلى جانب تسليفهم مبلغا نقديا في بعض الأحيان".
يشرح الديرباني ظروف المستدينين، بقوله "إن أغلب الزبائن لا يسد الراتب احتياجاتهم على مدى الشهر، وهناك من تواجهه ظروف طارئة مثل المرض أو حالات الوفاة، وأيضا مصاريف تعليم الأبناء الجامعية، وغيرها. وهناك من يأتي ويسد جزءا من مبلغ الدين، مثلا 40 أو 50 دينارا، وآخر يشتري نقدا، وتبقى قيمة الدين مسجلة على الدفتر حتى تتحسن أوضاعه، وهنالك زبون يلتزم بتسديد المبلغ المطلوب منه كاملا، ثم يأتي فيما بعد لشراء احتياجاته بالدين أيضا، وهكذا".
ما يزال مصطلح "سجل على الدفتر" سائدا في العديد من المحلات التجارية، وخصوصا المناطق الشعبية، وهذا الدفتر هو أفضل الحلول للعديد من أصحاب الأسرة الذين يعانون ظروفا اقتصادية صعبة، وتبحث عن مخرج لأزماتها المالية المتتالية؛ حيث يضطر العديد منهم إلى الاستدانة من محلات التموينات الغذائية أو محلات الخضراوات، حتى موعد استلام الراتب نهاية الشهر، يسددون ما عليهم أو جزءا منه، ويعودون للاستدانة من جديد منتصف الشهر، وهكذا.
من هؤلاء المواطنين أبو رياض، الذي لجأ في كثير من الأوقات لاستدانة "ربطة الخبز" لعدم امتلاكه ثمنها! إلى جانب استدانة المواد التموينية التي تسد جوع عائلته المكونة من سبعة أفراد.
وهذا هو حال الأربعيني أبو علاء أيضا، الذي يستدين في أغلب أوقات الشهر من أحد المحلات التجارية الصغيرة في منطقته لتأمين احتياجات أسرته المتعددة، وفي الوقت ذاته يحرص على التسديد بمجرد استلام راتبه.
يقول أبو علاء: "بارك الله بأصحاب المحلات الذين ما يزالون يفتحون حساب الاستدانة على الدفتر، فرغم شراء المونة الشهرية للمنزل، إلا أنها لا تكفي لنهاية الشهر، كما أن هناك مواقف طارئة نتعرض لها، مثل: مجيء الضيوف المفاجئ، أو إحدى المناسبات التي تحتاج لتقديم هدية مثل عبلة شوكولاته وغيرها".
ويضيف أنه يتجاوز سقف المشتريات أحيانا، ويتفاجأ بالمبلغ المطلوب عند تسديده، ويعود السبب في ذلك إلى كثرة شراء الكماليات إلى جانب الأساسيات.
أما الموظف خليل طه، فيؤكد أن ارتفاع الأسعار أسهم في تفاقم "الاستدانة من المحلات التجارية"، خصوصا لأصحاب الدخل المتوسط، وهذا يزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية، خصوصا على رب الأسرة، الذي يجد نفسه أمام متطلبات عديدة مقابل راتب متدنّ.
يقول خليل: "نلجأ إلى الاستدانة من المحل التجاري في حارتنا"، كونه الحل الوحيد لتأمين الاحتياجات الأساسية؛ إذ يقوم بتسديد 20 دينارا أو أكثر إن توفر نهاية الشهر للبائع، حتى يتمكن من الاستدانة فيما بعد أيضا.
وتقول ربة المنزل أم مجدي، إنها تستدين من إحدى البقالات في الحي الذي تسكن به، مبينة أن راتب تقاعد زوجها المتوفى لا يكفي، وتلقى تعاطفا من صاحب البقالة الذي لا يتردد في تأمين متطلباتها وتسجيلها على الدفتر، للوقت الذي يتسنى لها تسديده.
وتضيف "فوجئت في أحد الأيام أن صاحب البقالة يخبرني بأن شخصا ما قام بتسديد الدين المستحق على الدفتر، وهو فاعل خير جزاه الله خيرا، لا أستطيع وصف سعادتي حينها، فلا شك أن الإنسان لا يحب الاستدانة إلا إذا اضطر لذلك".
ويستشهد أبو زكريا صاحب أحد المحلات التجارية في منطقة طبربور، بقول رسول الله عليه الصلاة والسلام "الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، مبينا أنه يحرص على مساعدة أهل منطقته من خلال "دفتر الديون" قدر المستطاع.
يقول أبو زكريا إن الزبون يأتي ويطلب الاستدانة بتسجيل المبلغ على الدفتر، ويتبضع بما تحتاج أسرته، ويطلعه على مجموع قيمة المشتريات، في كل مرة، حتى لا يشعر بالدهشة حين السداد، ويتساءل كيف تجمع هذا المبلغ؟! كما حدث في السابق مع بعض الزبائن.
استشاري الاجتماع الأسري، مفيد سرحان، يلفت إلى أن الظروف الاقتصادية السائدة تجعل الكثير من الناس يلجؤون إلى الاستدانة، وهذه تأخذ أشكالا متعددة، منها استدانة مبالغ نقدية، أو اللجوء إلى قروض البنوك، أو إلى عمل جمعيات الأفراد، أو الشراء من المحلات بالتقسيط أو بالدين من خلال التسجيل على الدفتر، وهذه كانت سابقا منتشرة عند كثير من الناس، ومتعارفا عليها؛ حيث يشتري الشخص احتياجاته من أكثر من محل سواء البقالة أو محل الخضراوات أو غيرها.
ويضيف أن الشخص يقوم بتسديد هذه الديون في نهاية الشهر أو أحيانا في الموسم عند المزارعين في المناطق القروية، وهذه العادة فيها نوع من التيسير على المواطنين، وخدمة أيضا للبائع، وهي نوع من التعاون بين الناس لتلبية احتياجات الجميع، واستمرار الحياة في الحد المقبول، ولم يكن أحد يشعر بالحرج من هذا الأسلوب.
واليوم ومع التطور الحاصل، ومع تغير الظروف ما يزال موجودا، ويستخدمه البعض وفي مناطق متعددة؛ حيث يتم الشراء وتسجيل قيمته ونوعه وتاريخه على دفتر خاص عند البائع يعرف بـ"دفتر الديون"؛ حيث يفتح البائع صفحة أو أكثر للزبون المشتري، ويتم حساب الديون في نهاية الشهر أو عند وقت التسديد، ويقوم المشتري بتسديد المبلغ كاملا أو أحيانا جزءا منه.
ويلفت سرحان إلى أن هذا الأسلوب فيه تسهيل على الجميع، إلا أنه في بعض الأحيان قد ينتج عنه بعض المشكلات، منها التأخر بالسداد، أو سداد جزء من المبلغ وتأجيل الجزء الآخر، أو أحيانا انقطاع المشتري عن البائع كرحيله من المنطقة، كما أن الاثباتات تكون في الأغلب نوعا من الاتفاق الرضائي بين الطرفين؛ حيث لا يوقع المشتري على وثائق، وتعتمد العملية على الثقة بين الطرفين، وهذا يعطي مؤشرا على أن الناس كانوا وما يزالون يهتمون بعنصر "الثقة" بينهم، مع أن التوثيق فيه حفظ لحقوق الجميع.
ومن المشكلات الأخرى التي قد تحدث اختلاف القيمة بين المشتري والبائع، كأن ينسى أحيانا أنه اشترى غرضا ما، ويتفاجأ بأنه ضمن قائمة المشتريات المسجلة، أو أن يتم الشراء أكثر من فرد من أفراد العائلة، مما يزيد من مساحة الخطأ أو الاختلاف، ولذلك يلجأ البعض إلى تحديد الشخص أو الأشخاص الذين يمكن للبائع أن يتعامل معهم. وهذا يتطلب المعرفة الشخصية بهؤلاء الأشخاص.
وفي أغلب الأحيان، فإن وجود أي اختلاف يحل بالتراضي والاتفاق بين البائع والزبون، نظرا لصعوبة إثبات هذه الحقوق بالوسائل القانونية، وفق سرحان.

التعليق