الحظوة للجميع

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً
  • مشهد نشره جيش الاحتلال أمس يظهر المفاعل النووي السوري الذي استهدفه في 2007 .-(ا ف ب)

يديعوت أحرونوت

ناحوم بارنيع  21/3/2018

شيء واحد واضح، فضلا عن كل جدال: قصف المفاعل الكوري الشمالي في سورية كان أحد الأعمال العسكرية الأكثر نجاحا التي نفذتها إسرائيل في سنواتها الـ 70. القسم العملياتي، الذي بدايته في التساؤل الاستخباري، وتواصل في عملية جمع بطولي للمعلومات ونهايته في القصف الموضعي من الجو انتهى مثلما خطط له: المفاعل دمر حتى اساساته، المشروع مات، وللاسد بقي مجال النفي الذي منع التدهور إلى حرب اقليمية.
القسم العملياتي مشوق. في ساعة كتابة هذه السطور ما يزال يفرض منع على نشر تفاصيله الكاملة في إسرائيل، رغم أن مقاطع واسعة منه نشرت في العالم. ولكن الدراما الاساسية تجري في منزل رئيس الوزراء في القدس، في دائرة ضيقة جدا، ثلاثة وزراء، رؤساء اذرع الأمن، كبار مسؤولي مكتب رئيس الوزراء ورئيس لجنة الطاقة الذرية. لاحقا اشرك بالمعلومات وزراء الطاقم الوزاري للشؤون العسكرية والسياسية، "الكابينيت".
ستة أشهر استمرت المداولات. رئيس الوزراء هو ايهود اولمرت؛ عمير بيرتس وبعده ايهود باراك هما وزيرا الأمن؛ وزيرة الخارجية هي تسيبي لفني. في الخلفية دروس حرب لبنان 2006 وضغط جماهيري لتنحية الحكومة، يوقده نتنياهو، المال الذي يجلبه من الخارج ومؤسسة المستوطنين.
في شهر آذار، عندما يتبين بما لا يرتقي اليه شك بان المنشأة التي تبنى في دير الزور هي مفاعل نووي لاغراض عسكرية، فإن كل المشاركين، في القيادة السياسية، في الجيش الإسرائيلي وفي الموساد، يتفقون على أن الحل هو التدمير: لا حل آخر. كل محاولة لحل المشكلة بوسائل دبلوماسية ستؤدي إلى نتائج خطيرة.
الاسد سيلعب مع الزمن وسيدفع إلى الامام في هذه الاثناء بناء المفاعل، وستفقد إسرائيل عنصر المفاجأة. السؤال هو من سيهاجم المفاعل، الولايات المتحدة ام إسرائيل، متى وكيف وماذا سيكون في الغداة.
اولمرت يوجه المداولات جيدا. هذه لحظته الكبرى. نقطة الذروة في حياته المهنية السياسية كثيرة التقلبات. سلوكه يجعله ينال ثناء جما من رؤساء اذرع الأمن، وزراء خصوم في "الكابينيت" وزعماء اجانب، وعلى رأسهم رئيس الولايات المتحدة جورج بوش. هو يعرف ماذا يريد ويعرف كيف يصل إلى هناك.
في 7 ايلول 2007 عقد اولمرت اجتماعا لوزراء "الكابينيت" لبحث حاسم وللتصويت. وكان الاحساس العام بان هذا يوم مصيري في تاريخ الدولة، ويوم مصيري في حياة كل واحد منهم. في النهاية صوت الجميع مع، باستثناء آفي ديختر، الذي صوت ضد لاسباب وجد صعوبة في تفسيرها.
ديختر لم يكن عالما بالعملية الطويلة التي مرت على قيادة الحكومة. وتعلم الوزراء الا يتعاطوا مع مواقفه بجدية. ولكن باراك كان عالما وليفني كانت عالمة وموفاز، رئيس الاركان ووزير الأمن الاسبق، كان عالما. باراك سعى إلى تأجيل القرار؛ ليفني فضلت أحد البدائل؛ موفاز عارض. يتسحاق هيرتسوغ يروي بانه في إحدى المداولات المبكرة قال لاولمرت: "انت تريد موعدا ثانيا!" بكلمات اخرى، موفاز اتهم اولمرت بانه يريد قصف المفاعل كي يرمم نفسه من الحرب في لبنان. اولمرت نظر اليه، وتجلد. "انت واثق بانك تريد ان تسجل كما صوت ضد"، سأل موفاز في يوم التصويت. موفاز صوت مع.
في حزيران 1981 قصفت طائرات سلاح الجو اوسيراك، المفاعل العراقي. رئيس الوزراء كان مناحيم بيغين. وكانت الخطة هي الامتناع عن تحمل المسؤولية وهكذا السماح لصدام حسين، حاكم العراق، بالامتناع عن الرد. بيغن تقلب، وحطم الصمت. الانتخابات كانت على الابواب، وبيغين فهم أن للهجوم الناجح سيكون معنى هائلا في صندوق الاقتراع. في خطاب دراماتيكي وصف المفاعل كتهديد وجودي على الشعب اليهودي، ككارثة ثانية.
لقد كان القلق الوجودي في الجو أيضا، عندما استعد اولمرت وحكومته لتدمير الكبار، المفاعل السوري. "من اجل هذا التصويت، من اجل هذه اللحظة، كان جديرا لي أن أكون في الحياة السياسية"، قال هذا الأسبوع واحد من اعضاء "الكابينيت". ولكن للإسرائيليين في البيت لم تكن أي فكرة. كان لهذا معنى سياسي: اولمرت، بخلاف بيغن، ما كان يمكنه أن يجني من نتائج العملية في صندوق الاقتراع.
عمير بيرتس كان وزير الأمن في الاشهر الثلاثة الأولى بعد أن وصلت المعلومات عن المفاعل واقرت. في حزيران حل محله باراك، بعد أن فاز في الانتخابات التمهيدية في حزب العمل. اولمرت وباراك كانا صديقين قديمين. اما دخول باراك إلى وزارة الأمن فجعلهما عدوين لدودين. ومن أجل شرح ما حصل لا تكفي الوقائع – التفسير هو ما يجعل الفرق. قصة المفاعل لم تكن ساحة المعركة الوحيدة. كان سعي من باراك لهدنة مع حماس والجدالات بينهما في اثناء حملة الرصاص المصبوب في غزة، وكان بالطبع الخصام على معنى التحقيقات ضد اولمرت ومعنى توصيات لجنة فينوغراد.
اقل من ثلاثة أشهر مر بين تعيين باراك والهجوم على المفاعل. في هذه الفترة كان اولمرت هو من يدفع وباراك من يعيق. ورغم ان الحديث يدور عن فترة غير طويلة، فالخوف من مغبة ضياع الفرصة، بسبب تسريب او بسبب تشغيل المفاعل، كان هائلا. رئيس الموساد مئير دغان، رئيس الاركان غابي اشكنازي، رئيس شعبة الاستخبارات عاموس يديلين ورئيس شعبة العمليات عيدو نحشوتان ضغطوا للعمل. اما باراك فسد الطريق.
الادعاء المضاد لباراك مقنع حتى حدود معينة: كان ينبغي لي أن اتأكد من أنه اذا تدحرج الهجوم على المفاعل إلى حرب مع سورية، سيكون الجيش الإسرائيلي جاهزا. هذه الحجة اقنعت اعضاء في "الكابينيت"، فثقتهم بقدرات الجيش الإسرائيلي تقلصت في اعقاب حرب لبنان الثانية.
كان يمكن ان يقال في صالح باراك انه طلب الفحص والتأخير وتعمق في التفاصيل مثلما تصرف رابين في اثناء الاستعدادات للعملية في عنتيبة. بيرس دفع إلى العمل: رابين حرص على الفحص. ناهيك أيضا عن ان ما كان هنا على جدول الأعمال لم تكن عملية وحيدة بل احتمال للحرب. غير أن باراك يفقد من قوة اقناعه عندما يقول، في مرحلة لاحقة، "حتى لو شغل المفاعل سنجد سبيل لتدميره". لم يفهم ضباط الجيش من أي مصدر مهني يستمد هذه الفكرة. واستنتجوا بان لباراك دوافع اخرى.
اولمرت هو الاخر اقتنع بان خطوة باراك سياسية. في اشهر الصيف من العام 2007 كان رئيس وزراء مع قليل جدا من التأييد الجماهيري. باراك كان يمكنه أن يفترض بان في غضون بضعة اشهر سيضطر اولمرت إلى الاستقالة، والدولة ستتوجه إلى الانتخابات. امامه كان كديما، الحزب الذي فقد اباه المؤسس ووريثه. وكائنا من سيقف في رئاسة كديما، لفني أم موفاز، فإن باراك سيهزمه في صندوق الاقتراع. ونتنياهو، مع 12 مقعدا، لا يمكنه أن يعود.
حسب هذه الرواية، لم يرغب باراك في اعطاء المجد لاولمرت. اراد اعطاء المجد لنفسه: هو سيكون رئيس وزراء وهو سيصفي المفاعل. هذه الحجة ضد باراك تتلقى تعزيزا عندما نأخذ بالحسبان انه بعد أن استقال اولمرت، في اذار 2009، لم يسارع باراك إلى مساعدة لفني لتشكيل حكومة برئاستها. توجه إلى الانتخابات التي أعادت نتنياهو إلى رئاسة الوزراء. ولعل التفسير ابسط: باراك لم يقبل إمرة اولمرت كرئيس وزراء. قدره كسياسي ولكنه لم يكن مستعدا لان يسير خلفه في مواضيع أمنية.
بعد بضع ساعات من العملية التقى باراك يتسحاق هيرتسوغ. كان يمكن التوقع ان يكون باراك قلقا، فلعل الاسد يعد حقا في هذه اللحظة منظومة صواريخه للهجوم على إسرائيل. ولكن باراك كان سعيدا. وهو يقول: "توجد وفرة من الحظوة للجميع". أما في اختبار النتيجة، الاختبار المحبب على باراك، فهو محق. وفي اختبار المسيرة مخطئ: قضية المفاعل أحدثت العجائب ليس فقط في قدرة اولمرت وباراك على مواصلة العمل معا، كرئيس وزراء ووزير أمن، بل أيضا في الثقة التي يكنونها لباراك في قيادة الجيش الإسرائيلي.

التعليق