علاء الدين أبو زينة

جدليات التطبيع..!

تم نشره في الأحد 25 آذار / مارس 2018. 01:08 صباحاً

في الفترة الأخيرة، طالب ناشطون بمنع عرض فيلم "سبعة أيام في عنتيبي" في دور العرض المحلية. ويتعلق الفيلم، كما يوحي عنوانه، بحادثة استعادة طائرة ركاب للكيان الصهيوني كان خاطفوها قد أخذوها إلى مطار عنتيبي في أوغندا في العام 1976. ومن حيث المبدأ، هذه حادثة تاريخية موثوقة، لكن المختلف بالطبع هو الزوايا التي ينظر منها الناس المختلفون إلى الحادثة وجذورها وتفاصيلها، ومعها كيفيات السرد حسب مَن يكون الراوي.
الذين اعترضوا قالوا إن الفيلم لم يعرض الدوافع التي حدت بالخاطفين إلى تنفيذ عمليتهم، وركز على أفراد مخابرات العدو الذين استعادوا الطائرة وعرضهم كأبطال. ويتساءل المرء كيف يقرر أحد أن الفيلم منحاز إذا لم يشاهده؟ وإذا قرأ عن محتواه، فما الفرق بين معرفته قراءة عن المشاهدة؟ وهل هناك رخصة للنخبة بالاطلاع على هكذا أمور وحجبها عن الجمهور، شكاً في قدرته على التمييز؟
في المقابل، نشرت الأهرام المصرية الشهر الماضي تقريراً بعنوان "سبعة أيام في عملية عنتيبي.. قصة فيلم يثير غضب إسرائيل". ونقل التقرير عن إعلام الكيان أنهم غاضبون هناك بسبب "تركيز الفيلم وبصورة واضحة على خاطفي الطائرة من عناصر المقاومة الفلسطينية، وهو التركيز الذي تناول حياتهم الإنسانية والمآسي التي عاشوها مع عائلاتهم بسبب قيام إسرائيل وتهجيرهم وتحويلهم إلى لاجئين".
وأضاف التقرير أن جوزيه باديلا، المخرج الأرجنتيني للفيلم، "قال للتليفزيون الإسرائيلي إنه يعرف أن الإسرائيليين يصفون خاطفي الطائرة بصفات سلبية، إلا أن ما يهمه هو إظهار الجانب الحياتي والإنساني لهم، وهو الجانب الذي يبدو أنه يثير وبقوة غضب الإسرائيليين باعتبار أنه من غير المقبول تماماً التعاطي مع الحياة الإنسانية لعناصر المقاومة".
كيفُ نحكم إذا لم نشاهِد؟! وهل الأسلم أن لا تشاهَد مثل هذه الأفلام وتُهمل وكأنها لم توجد، خوفاً من شبهة التطبيع؟ لم أشاهد الفيلم شخصياً، ولكني قرأتُ كتاباً لضابط متقاعد من الموساد، تُرجم إلى العربية، وضم –فيما ضم- سرداً لتفاصيل عملية عنتيبي على ذمة الراوي. ولا أتذكر أن أحداً اعترض على ترجمة الكتاب وطباعته باعتبار أنها تطبيع، ولا أجدُ في نفسي تأنيباً لممارسة التطبيع. هل ثمة فرق بين الكتاب والفيلم؟ ومَن يحكُم على أخلاقية الاطلاع بهذه الكيفيات؟
ما يزال التطبيع مع الكيان مفهوماً سائلاً، يمرُّ من خلاله العجر، والذي جعلته كثرة الاجتهادات شائكاً ومليئاً بالشِّراك. وعلى أساس هذا الارتباك في المفهوم والآليات، يُسقَط أشخاص ربما كانوا حسني النية ولهم مبرراتهم، بينما يتذرع آخرون يعرفون في نفوسهم أنهم يُطبِّعون عن وعي مع العدو بمختلف الذرائع والمخارج التي تتيحها ضبابية المفهوم.
من جدليات التطبيع، مناداة البعض بعدم التعامل مع أي نتاجات وأدبيات تصدر عن مؤسسة الكيان أو أفراده أو منظّريه أو كُتابه، (ربما باستثناء أصحاب الرؤى المنتقدة للكيان). ويرى آخرون في المقابل أن الاطلاع على كل شيء يصدر من هناك واجب، على أساس "اعرف عدوَّك" كضرورة لكسب فرصة مناجزته. ومن تداعيات الجدل، عدم وجود مراكز دراسات عبرية في العالم العربي والجامعات، تدرس فكر العدو وتتحلله وتعرِّف الناس بما يقول، بحيث يبقى للكثيرين كياناً غامضاً مريباً فقط. وكأن الفكرة هي أنك إذا قرأت كتاب هتلر "كفاحي" فإنك تطبّع مع النازية وتصبح نازياً!
وهناك جدلية المشاركة في المنتديات التي يُدعى إليها أشخاص من الكيان، خارج فلسطين المحتلة. البعض يرى أن تلبية دعوة هكذا منتديات تطبيع، ربما لأنها تقبل استضافة منظرين عدوانيين من كيان عدواني. وفي المقابل، يرى آخرون أن غياب صوتنا هناك يترك المجال كله لسرد العدو بلا منافسة، ويفوِّت فرصة المناظرة وتفكيك الرواية الأخرى وتهافتها أمام الجمهور.
وهناك فكرة زيارة فلسطين المحتلة. فالبعض ممن وُلدوا فيها وأُخرجوا منها، يريدون عودة، ولو موجزة، لإلقاء نظرة أخيرة على البلاد قبل الرحيل. والبعض ممن ولدوا في المنفى وشابوا في الخارج ولم يعرفوا الوطن إلا في القصص، ربما يريدون أن يتنسموا هواءه، ولو بزيارة كلها ألم بالتأكيد. والبعض يفرقون بين الزيارة بتصريح من السلطة الفلسطينية، حتى لو أنه في النهاية تصريح من الكيان حسب الترتيبات الأمنية، وبين التأشيرة من الكيان مباشرة، باعتبارها اعترافاً بشرعيته.
وهكذا تستمر جدليات التطبيع، كجزء من الإفرازات الممضة لوجود الكيان غير الطبيعي في حياتنا.

التعليق