إبراهيم غرايبة

إطفاء الحرائق وإشعالها في إدارة الأزمات

تم نشره في الخميس 29 آذار / مارس 2018. 12:08 صباحاً

تمتلئ الصحافة بالتقارير والتحليلات عن الانهيارات والتراجع في الاقتصاد والصناعات والعمل والأسواق والقطاعات المختلفة، بفعل العولمة والتقنيات الجديدة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والفشل السياسي والفساد والاستبداد، لكن نسبة قليلة من الدراسات والتقارير تنشغل بالفرص والتحولات الإيجابية الواقعية والممكنة، بسبب التحولات، وخصوصا في الموارد والتقنيات.
الأزمات والكوارث والأحداث المؤثرة تهبط بلا استئذان، وتصحبها آثارها وتداعياتها أيضا بتلقائية، لكن استيعابها إيجابياً والبحث في الفرص والبدائل المتاحة والممكنة ليس عفوياً ولا تلقائياً. وفي ذلك، تتشكل وفي سرعة متوالية من الظواهر والحالات التي لا تقل ضرراً عن الكارثة نفسها، الخوف والصراعات والإذعان والابتزاز وانهيار القيم الاجتماعية والثقة وسلوك البقاء، وصعود طبقة جديدة من الشطار تحول الأزمات إلى مصالح واحتكارات فاسدة، تفيد قلّة من الناس، وتزيد الضرر عليهم، ثم ترتد المجتمعات في مواجهة الخوف إلى الخرافة، وقيم وثقافات وروابط وعلاقات سابقة للتمدن، فتتحول المدن والأسواق والمؤسسات إلى ساحاتٍ متقدّمة لتكريس التخلف والاعتداء والهيمنة على المستضعفين. وبالطبع، تنهار القوانين باعتبارها الرابط الأساسي للمدن والدول، ويتقدّم صيادو المكافآت  والمتسولون وجامعو الإتاوات.
وأسوأ ما يحدث في مواجهة الأزمات هو التأخر في استيعابها ومواجهتها، لأنها في ذلك تتكرس إلى واقع اقتصادي اجتماعي ثقافي، يجد من يدافع عنه من النخب والجامعات والمؤسسات الأكاديمية والمصالح،.. ويتحول الفشل والفساد إلى قيم متقبلة، تشتغل على تأصيلها علمياً وفلسفياً ودينياً خبرات وهيئات متقدمة!
والحال أن التطور العلمي والتقني كان، في مساره العام ومحصلته، يعمل لصالح تحسين الحياة والارتقاء بالدول والمجتمعات والأفراد والأسواق والخدمات والسلع؛ على الرغم من صحة ما يقال عن الآثار السلبية والأضرار التي لحقت بالمجتمعات والأسواق والموارد والصناعات التي كانت قائمة قبل التطور العلمي والتقني والتعولم في السوق والسلع والأفكار والاتجاهات والهويات.
والسؤال البديهي، بطبيعة الحال، هو كيف يمكن توظيف الحالة السائدة في فرص وأعمال جديدة تحسّن الحياة، وترتقي بالموارد والأعمال، فمن المؤكد أنها حالة يمكن أن تكون مفيدة جدا، وفرصة مهمة للتطور والنمو والإصلاح؛ بدليل ما تحققه اليوم دول ومجتمعات من تقدم، ونشوء شبكة واسعة من الأعمال والشركات الجديدة.
يجب أن تبحث القيادات السياسية والاقتصادية عن فرص جديدة، للمشاركة مع المجتمعات، وتبدل في استراتيجياتها التي كانت قائمةً على أساس مرحلةٍ سابقةٍ، لم تعد موجودة، وأن تنخرط في عقد اجتماعي جديد، يقوم على تدوير النخب والقيادات للخروج من الصراع الإقصائي إلى صراع سلمي، يتنافس فيه جميع الناس على أسس تنافسية واضحة ومعروفة ومتفق عليها، لأنها بذلك تحمي نفسها، وتطور مصالحها، وتعيد تنظيمها من جديد. توقفت الوصاية على الأفراد والمجتمعات، وسوف يؤدي الاستمرار في التخويف والوصاية إلى صراعٍ مدمر للأطراف جميعها، ولا يكسب فيه أحد شيئا.  وهناك مؤسسات اقتصادية واجتماعية وخدمية كبرى وعريقة أصبحت عرضةً للمراجعة الاستراتيجية، مثل البنوك والاتصالات والمدارس والجامعات، ذلك أن الاقتصاد يمضي نحو المشروعات الاجتماعية والصغيرة والمتوسطة والفردية، وأصبح ضروريا أن تتحول الاتصالات إلى مرفق عام مشاعي، مثل الطرق والجسور، وتكون الشركات شريكا مع السلطات والمجتمعات في إدارة هذا المرفق المتنامي والمتعملق وتنظيمه، وتحتاج أن تبادر في اتجاهات اقتصادية واجتماعية، بدلا من الدخول في اقتصاداتٍ رثة وطُفَيْلِيّة، مثل المسابقات والجوائز والرسائل التافهة واليانصيب الاتصالي.
تبدأ الاستجابة بالتعليم لإكساب الأجيال وجميع الناس، المهارات الأساسية التي تمكّنهم من المشاركة في الاقتصاد الجديد، وإعادة تأهيلهم ليكونوا قادرين على المشاركة الاقتصادية والإنتاج، وكل لحظة تمضي من دون إعادة تنظيم المؤسسات والعمليات التعليمية تزيد التأخر في الاستجابة والتقاط اللحظة والفرص.

التعليق