إبراهيم غرايبة

الاستعارات التي نحيا بها

تم نشره في السبت 31 آذار / مارس 2018. 12:08 صباحاً

يقدم جورج لايكوف ومارك جونسون في كتابهما "الاستعارات التي نحيا بها " ترجمة عبد المجيد جحفة أمثلة وملاحظات مدهشة، كيف أن أداءنا اللغوي التواصلي في فهم ونقل الأفكار والمعاني هو عمليات سياسية وسلطوية وثقافية معقدة، .. ماذا تعني عبارة "نحتاج إلى مصادر جديدة للطاقة" عندما يقولها مدير شركة شل أو عندما يقولها رئيس جمعية أصدقاء الأرض؟ هكذا فإن اللغة بقدر ما تمنحنا المعنى وتحفظ لنا الأفكار والعلوم والإشارات فإنها أيضا تفتح المجال واسعا بلا حدود لنفهم النصوص الدينية وغيرها، ولا تمنح أحدا اليقين بأن ما يفهمه هو الصواب أو الصواب النهائي. يقول روفائيل سانشيت فولوسيو إن مبتدأ قصة الخوارج أنهم رفضوا إمكانية أن الحقيقة الإلهية يمكن توضيحها بالمعرفة والمفردات البشرية، لكنهم قبلوا فكرة تجليها في تلاقي سيوفهم. وأثبت البشر مرة أخرى أنهم يحبون الحقائق أكثر من المعارف، ولسان حالهم "زائف لكن مؤكد" فالحقائق دائما زائفة بطبيعة الحال، مثلما يؤكد ذلك أن قادتهم ليسوا علماء، لكنهم حراس شخصيون.
إن الاستعارة حاضرة في حياتنا اليومية ولا تقتصر على اللغة والبلاغة، لكنها موجودة أيضا في تفكيرنا وأعمالنا، فالنسق التصوري الذي يسير تفكيرنا وسلوكنا له طبيعة استعارية بالأساس، نقول في العمل والحياة، يضيع وقتي، تربح ساعات، ليس لدي وقت، كلفني ساعة من الزمن، أخذ مني وقتا كبيرا، شكرا للوقت الذي منحتني إياه، لكن لم يخطر ببال أحدنا المعنى الدلالي المباشر للكلمات والعبارات، كيف نضيع الوقت أو نعطيه أو نكسبه أو نخسره؟ نتحدث عن موارد مثل النقود دون أن نلاحظ أننا نستخدم الاستعارات! وعندما نقول أحس أنني في قمة السعادة، أفكار عميقة أو سطحية، لقد رفع من معنوياتي، سقطت معنوياتي في الحضيض، يغوص في الشقاء، ونفهم ونتداول المقولات وكأن معناها بديهي، برغم أنها تصور السعادة والاحباط والشقاء كما لو أنها جبال وأودية وبحار!
ويمكن أن نجد مئات المعاني لكلمتي فوق وتحت في النصوص والعبارات المختلفة، فوق ويقابلها تحت تعنيان أصلا على نحو محدد أو مباشر الابتعاد عن سطح الأرض في الفضاء المحيط بها؛  لكن فوق (وتحت تعني العكس طبعا) تأتي بمعنى القوة والصحة والسعادة والغلبة والهيمنة والأفضل، والسلطة والأكثر، هكذا نقول أعلى السلم الاجتماعي، واللجنة العليا، وتحت المراقبة، وتحت الرحمة، وفوق الشبهات، وبلغ الاقتصاد أدنى مستوى أو أعلى مستوى!
إن معظم تصوراتنا الأساسية مبنية على مجموعة من الاستعارات ذات التوجيه الفضائي أو النسقي، وتمنحنا طرقا للنظر إلى الأحداث والأنشطة والأفكار باعتبارها كيانات ومواد يمكن تشخيصها، مثل تسمية ارتفاع الأسعار "تضخم" ثم ننظر الى التضخم كما لو أنه كيان نريد أن نلجمه أو نحاربه أو يضطرنا إلى اجراءات وسياسات! وهكذا فإننا بتشخيص الظواهر والأفكار يمكننا فهمها والنظر اليها والتعامل معها، لكنها في الحقيقة ليست كيانا ماديا او فيزيائيا تنطبق عليها العبارات والادوات التي نستخدمها في الفهم والتفكير! لكننا نفهمها بناء على محفزاتنا وأهدافنا وأنشطتنا وخصائصنا، إن النظر إلى شيء مجرد مثل التضخم عن طريق ما هو بشري له سلطة تفسيرية تشكل بالنسبة لغالبيتنا الوسيلة الوحيدة لإعطائها معنى، وعلى سبيل المثال فإننا حين نتعرض لخسارات مالية لأسباب اقتصادية وسياسية معقدة لا نفهمها حقا، فإن استعارة التضخم تسمح لنا على الأقل بالحصول أو إعطاء تفسير متسق لسبب ابتلائنا بهذه الخسارات.!!

التعليق