د.باسم الطويسي

عالم مربك

تم نشره في الاثنين 2 نيسان / أبريل 2018. 12:06 صباحاً

تذهب بعض الدراسات الغربية الجديدة الى القول إن الديمقراطيات الغربية تعيش حالة إرباك ربما لم تشهدها منذ ثلاثة قرون؛ تبدو ملامحها في أسئلة كبرى مثل: هل ما تزال صناديق الاقتراع تأتي بما يفترض أن تعكسه الإرادة العامة، وهل ما يزال مفهوما الإرادة العام والرأي العام يدلان على المعاني والممارسات التي تعودت عليهما الشعوب؟ وكيف تعمل التكنولوجيا والشركات العملاقة الجديدة على تغيير مفهوم القوة في العالم وفي داخل المجتمعات.
لأول مرة ربما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعيش الدول والكيانات حالة إرباك وعدم قدرة على التكيف مع التحولات المتلاحقة والمتغيرات السريعة وأحيانا المفاجأة، علينا أن نتأمل أن النظام الدولي ما يزال يعيش صدمة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولم يخرج منها، وكل يوم يعيش مفاجأة جديدة، وقس على ذلك المفاجآت المتتابعة التي تأتي بها أحيانا صناديق الاقتراع أو تلك التي تبرز على شكل أزمات غير متوقعة أو مواقف شعبية صادمة، فيما تعمل "عقيدة ترامب" على تفكيك المؤسسات والنظم القائمة وإرباك مؤسسات المجتمع الدولي بمواقف غير متوقعة أو نسف تفاهمات تاريخية، تعمل أيضا الكيانات الجديدة وشركات التكنولوجيا العملاقة على إعادة إنتاج نسخة جديدة من العولمة لم تكن في الحسابات لا السياسية ولا الاقتصادية.
بمعنى أن الكثير من النظم السياسية تقف مشدوهة أو مصدومة، وأحيانا لا تعرف كيف تتصرف مع ما يفاجئها من أحداث أو ظواهر أو ردود أفعال، حتى بات مفهوم الإرباك السياسي يتكرر بقوة في الخطاب والأدبيات السياسية آخر عامين، والدليل على ذلك أن الكثير من الباحثين كفوا عن البحث في وصف النظام الدولي السائد وما هي طبيعته. 
الى اليوم لا توجد لدينا أطر نظرية واضحة الملامح تفسر ما يحدث في العالم، وسيبقى هذا الأمر لوقت ليس بقليل، وعلينا أن ندرك أن هذا الأمر حدث مرات في التاريخ، وهذا ما يفسره منطق الدورات التاريخية، بينما علينا البحث عن جذور هذه الأعراض في القواعد المؤسسة للأنظمة الدولية والاقتصادية التي حكمت العالم على مدى نحو ثلاثة عقود، فقبل الوقوف على الأربعين مرسوما رئيسيا وأكثر التي وقعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عامه الأول وشاع وصفها بأنه التوقيع على نهاية عصر العولمة، علينا الذهاب أعمق من ذلك الى سياسات مطلع القرن وفي مقدمتها حصار اتفاقية التجارة العالمية والانقلاب الأول على العولمة وأحلام الإمبراطورية وغيرها، وقبل أن نفكر طويلا بظاهرة الكذب والأخبار المزيفة وعلاقة السياسيين بالإعلام التقليدي، علينا أن نعود الى ويكيليكس وظاهرة الحكومات السرية في العالم المتقدم.
العالم لا يتوقف عن التغير، ولا يتوقف عن الانتكاس أيضا. لكن، على الرغم من سلسلة التوقعات التي تفرضها أجندة الخبراء والمراكز البحثية، فإن عالم الكبار يدخل في تفاهمات غامضة وفي لحظات توافق غير قابلة للفهم رغم احتدام الصراع في الغرف الأمامية، ثم يخرج من الأبواب الخلفية أكثر حدة ونزاعا.
ثمة تحولات أخرى ربما تكون أهم مما نشهده في حقول السياسة والاقتصاد والأمن، إنها تحولات ثقافية كبيرة تجري تحت أرض ساخنة تدور حول إعادة اكتشاف جديد للعالم والإنسان والمجتمعات وحتى الطبيعة، وثمة استجابة سياسية واقتصادية لما يجري تحت الأرض، بمعنى أننا أمام عالم يتغير بالفعل وبسرعة ويزداد إرباكا، وبينما يجري ذلك تنشغل الشعوب القديمة في تأويل الماضي وتفسيره وفي نميمة تاريخية لا تنتهي.

التعليق