إبراهيم غرايبة

لم يعد التعليم والعمل سوى "تابلت"

تم نشره في الأربعاء 4 نيسان / أبريل 2018. 11:07 مـساءً

لحسن الحظ وربما لسوئه، فإن عالما جديدا يتشكل اليوم قائما على الإبداع والخيال والثقة، ليس غير ذلك، لكن هذه الموارد الأقرب إلى السراب والتي ليست في الحقيقة سوى آحاد وأصفار في الحواسيب والشبكات تعصف بكل الموارد والمؤسسات، وأولها الأعمال.. فالأجهزة المحوسبة والروبوتات تحل مكان الإنسان في معظم إن لم يكن جميع الأعمال القائمة والتي نعرفها اليوم، وسوف تكون جميع أعمال الناس في منتصف القرن مختلفة جذريا، ولن يكون من بينها الأعمال التي نعرفها اليوم! ما مصير المهن والجامعات والمدارس والمستشفيات والسجون والقلاع والأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخبارية؟
لكن الإبداع بما هو ببساطة التركيز على إقامة حياة أفضل مستمدة من الفرص والتحديات والبيئة القادمة، كان هو سر الإنسان الأردني، لم يكن يملك خيارا للبقاء وتحسين حياته سوى الإبداع، فلم يكن يحمي الإنسان في المنطقة الممتدة بين الفرات والمتوسط سوى الخوف من الانقراض، ففي هذه المنطقة التي لا تمنح فيها الطبيعة الطعام لساكنيها سوى لأربعة أشهر في العام لم يكن ثمة فرصة لأجل البقاء وتحسينه سوى الإبداع، لم يكن مورد في الواقع سوى العقل، هكذا صار الخبز والملح والزيت والنبيذ، ثم الطرق والسفن والمدن والمقايضة والكتابة، ثم كانت القيمة المضافة للسلع والأعمال والصناعات والحرف.. والطهو والفنون، ولشديد الأسف، فإن الإبداع لا يأتي منحة مثل الماء الذي يروي قصة الحضارة المصرية أو البابلية، ولا النفط الذي أحيا الصحراء، ليس سوى توتر عقلي دائم لا يتوقف، أو الفناء كما حدث بالفعل في مراحل من التاريخ، وكما يمكن أن يحدث اليوم أو في الغد القريب!
لكن شرق المتوسط الذي يشكل التهديد بالفناء جزءا من وجوده، استطاع أن ينشئ حالة مميزة في التاريخ والجغرافيا. وذلك لعاملين واضحين وبسيطين ما يزالان يمكن تفعيلهما؛ أحدهما المدن المستقلة والمتعايشة على نحو مستمد من حاجتها لبعضها وليس الصراع الذي يلغي في طرف طرفا آخر، والثاني مستمد من موارد هذه المدن القائم على الثقة المنشئة لشبكة من النقل والصناعات والتجارة والأعمال والخدمات، .. لم يكن لدى الناس لأجل البقاء والازدهار سوى الثقة، هكذا صارت المدن والثقافات والحضارات، والتي رغم بهائها وإبداعها ظلت هشة قابلة للانهيار.
يمكن في هذه المساحة ذكر أمثلة قابلة للتعميم في آلاف الحالات القائمة؛ فجهاز جاما نايف الذي بدأت المستشفيات تستخدمه يجري عمليات جراحة الدماغ والأعصاب وإزالة الأورام من غير جراحة وفي ساعات قليلة، فإلى أين تمضي مهنة الطب والجراحة وكليات الطب؟ من الطبيعي أن يقاوم الأطباء إدخال هذه الأجهزة إلى المستشفيات حتى لو كانت منحة من الدول المتقدمة إلى الدول النامية.. لكنه لعب في الوقت الضائع! وكذلك الحال بالنسبة للبنوك بعد أجهزة الموبايل والصرافات الآلية والبنوك العاملة على الشبكة، ثم يكون سؤال بطبيعة الحال عن مصير وتحولات السيادة والرقابة الحكومية ودور البنوك المركزية والمؤسسات الحكومية التي تنظم الأعمال والجودة والعلاقات المهنية والتجارية،.. ثم تتغير المدن وتخطيطها وأنظمة الشوارع وتصميم البيوت والمباني لأن دورها وطبيعتها تتغير.
الحوسبة والروبتة والتشبيك والطابعات ثلاثية الأبعاد لا تلغي الأعمال لكنها تغيرها جوهريا، قد تزيد الأعمال وهذا مرجح، لكنها أعمال جديدة لم تكن موجودة وتختفي أعمال أخرى، وتبدأ مواجهة التحدي بالتعليم؛ إذ ستكون غايات المؤسسات التعليمية مختلفة لأنها ستعد الأجيال لأعمال مقبلة ليست هي الموجودة اليوم، كما أن الشبكة تعيد صياغتها وتوزع المسؤوليات والأدوار لتكون الأسر والمجتمعات شريكة رئيسية، وليكون الفرد أساسا هو الذي يعلم نفسه بنفسه، ولأن الإبداع هو المورد المقبل، فإن التعليم يتجه بطبيعة الحال الى المواهب والمهارات والخيال، والكتابة والفلسفة والشعر والموسيقى، ومهارات الحياة، وأما المحتوى التعليمي فلم يعد حاجة لأجل الحصول عليه سوى لوح إلكتروني!.

التعليق