علاء الدين أبو زينة

إكسير السعادة الدنماركي..!

تم نشره في الخميس 5 نيسان / أبريل 2018. 12:06 صباحاً

سؤال السعادة قضية بشرية شائكة، وبالإمكان إحالة النشاط الإنساني -الفردي والجمعي- كله إلى البحث عن السعادة في المقام الأول. وكانت هذه المطاردة للسعادة أيضاً هي السبب في كمّ التعاسة الهائل الذي يحيط بالبشرية اليوم، لأن مساعي البعض إلى تحقيق الرضا الذاتي كثيراً ما تكون على حساب رضا الآخرين وتصادر أدوات سعادتهم. لذلك تميزت خبرة البشر بالحروب والتنافس غير النزيه والانتهازية والعنف وما شابه.
لو سألنا كل فردٍ عن تعريفه للسعادة لتعددت الإجابات بعدد الأفراد. ومع ذلك، تتفق الانطباعات مع المؤشرات -مثل مؤشر السعادة العالمية السنوي- على أننا لسنا مجتمعات سعيدة في هذه المنطقة، اعتماداً على حاصل مجموع سعادة الأفراد -أو تعاستهم. والسبب بطبيعة الحال، هو وفرة أشياء وندرة أخرى.
المتاح بوفرة في منطقتنا، هو: التوترات والحروب، والتطرف مِن كل نَوع، والأبوية، والأنظمة الاستبدادية، والوصايات المحلية والعالمية، والمنظومات السكونية والرجعية، وضيق الفرص الاقتصادية وحيِّز الفرد، والقيود على الحريات، والاختلال الوظيفي في عمل المؤسسات الرسمية والمنظومات الاجتماعية، وما يشاء المرء من العوامل الطاردة.
أما النادر إلى حدٍّ كبير، فهو ما تقول طبيبة نفسية وباحثة إنها وجدته وهي تنظر في سبب تقييم الدنماركيين حياتهم بطريقة إيجابية، وهم أسعد شعوب الأرض حسب آخر مؤشرات السعادة العالمية. وتحت عنوان: "لماذا الدنمارك أفضل بلد في العالم سنة بعد أخرى"، تكتب الطبيبة النفسية المقيمة في الدنمارك، ماري لارسِن: "نعم، لدى الدنماركيين حكومة مستقرة، ومستويات منخفضة من الفساد العام، وهم يحصلون على نوعية عاليةٍ من التعليم والرعاية الصحية". صحيح أن لدى الدنمارك "أعلى الضرائب في العالَم، لكن الغالبية العظمى من الدنماركيين يدفعون بسعادة: فهم يعتقدون أن زيادة الضرائب يمكن أن تخلق مجتمعاً أفضل".
غنيٌّ عن الذكر أن العلاقة بين الضرائب وبين الخدمات وكلّ شيء إيجابي عندنا عكسيّة: الضرائب ترتفع، وكل شيء يهبط -إلا الفساد. لكن لارسِن تقول إنها اكتشفت شيئاً أهم من الاستقرار والتعليم والصحة والخدمات، والذي يجعل الدنماركيين سعداء: أنهم يقدّرون بناء ثقافياً يسمى hygge، (ربما تُلفظ بالدنماركية "هوغ"). وتقول الكاتبة إن هذا المصطلح أضيف إلى قاموس "أكسفورد" في العام 2017 مع مشتقاته اللغوية. ويشير المصطلح، حسب الكاتبة، إلى "نوعية عالية من التفاعلات الاجتماعية".
وتقول الكاتبة: "تُترجم هوغ أحياناً بمعنى الراحة، الدفء أو الرضا، لكن من الأفضل ترجمتها بمعنى "الحميمية المقصودة" التي يمكن أن تحدث عندما يختبر الفرد خبرات متقاسَمة آمنة، متوازنة ومتناغمة. ويمكن لتناول فنجان قهوة مع صديق أمام مدفأة حطب أن يفعل المطلوب، وكذلك نزهة صيفية في متنزه".
وتضيف: "يمكن أن تقضي عائلة أمسية "حميمية" تتضمن ألعاب الطاولة وتناول الحلويات، أو ربما يجتمع الأصدقاء على عشاء غير رسمي مع إضاءة خافتة، وطعام جيد وبعض المرح الخفيف. ويمكن اعتبار الأماكن أيضاً "حميمية" ("منزلكم الجديد حميمي جداً")... ومن المتوقع أن تكون معظم المناسبات الاجتماعية الدنماركية حميمية".
تشرح الكاتبة أن هذه "الحميمية المقصودة" هي جزء أساسي من رفاه الشعب الدنماركي، والتي "تعمل كحاجز ضد الضغط والإجهاد، بينما تتيح مساحة لبناء الصداقات الحميمية. وفي بلد يمتاز بدرجة عالية من الفردانية مثل الدنمارك، تستطيع هذه القيمة تعزيز المساواة وتقوية الثقة".
لا أعرف إذا كانت كلمات "حميم" أو "حميمي" بالعربية يمكن أن تكافئ المفهوم الدلالي الدقيق لمعنى "هوغ"؛ حيث لا تحتوي الإنجليزية على مثل هذا المكافئ. وتلاحظ الكاتبة أن البلدان التي تشهد ارتفاعاً في الناتج المحلي الإجمالي وانخفاضاً في البطالة -مثل الولايات المتحدة- تشهد أيضاً انخفاضاً في منسوب السعادة. والسبب، في رأيها، هو الانخفاض الملحوظ في منسوب الثقة بين الأشخاص وتجاه المؤسسات مثل الحكومة، وكذلك الإعلام. وتقول الكاتبة: "في النهاية، لا يستطيع ارتفاع الدخل القابل للتصرف أن يعوض عن وجود شخص يمكنك الاعتماد عليه وقت الحاجة (وهو شيء يعتقد 95 % من الدنماركيين أنهم يمتلكونه)".
هذه التصورات تكشف عن تعقد المشكلة عندنا. فالعوز الوفير لأي قدر معقول من الاستقرار الشخصي والجمعي والحاجات الدنيا يُنجب تشوُّشاً في "الحميمية" ومزيداً من الفردانية، وبؤساً في التفاعلات الاجتماعية، لحساب المزيد من فقدان الفرصة والانتحار الذاتي. وحسب الاتجاهات السائدة، تبدو طرقنا إلى السعادة تالفة بطريقة يتعذر إصلاحها.

التعليق