د.أحمد جميل عزم

العودة إلى هربيا.. وكمال عدوان

تم نشره في الخميس 5 نيسان / أبريل 2018. 11:06 مـساءً

عند تأمل صور مسيرة العودة التي بدأت يوم الجمعة 30 آذار 2018، والخيام التي نُصبت على حدود ما يسمى قطاع غزة، تَظهَر خيمة لاجئ يفترش الأرض، ويَغلي الشاي على الحطب، وتجلس خلفه امرأة على كرسي، وطفلان صغيران يلهوان، ويافطة كتب عليها "عائدون إلى هربيا وكل فلسطين".
كُل ما عَرفتُهُ عن هِربيا فيه اختلاط الجمال بالألم.
تعرفتُ إلى هربيا، أثناء جمع مادةٍ عن الشهيد كمال عدوان (1933-1973)، الذي تحل الآن ذكرى اغتيال الإسرائيليين له في بيروت، (10 نيسان/ إبريل 1973) مع الشهيدين أبو يوسف النجّار وكمال ناصر. فهو من أبناء قرية بربرة، البعيدة نحو 20 كم عن مدينة غزة؛ أي أنها أقرب من ذلك للقطاع، فالقطاع صار اسماً متداولاً، بعد العام 1948 لمدينة غزة ومحيطها. وفي الطريق بين بربرة والقطاع، تقع هربيا. وهي جزء أساسي من ذاكرة اللجوء في الجنوب الفلسطيني.
سألتُ عبدالرحمن عدوان (أبو مازن)، مطلع هذا العام في بيته بعمّان، عن الخروج، وكان عمره خمس سنوات، فوصف مسيرة تعب وعطش، قائلا: كنتُ أحمل إبريق ماء فارغا، وأصرخ "أريد أن أشرب.."، وأتذكر كلابا تعوي في الطريق، "أتذكر ذلك بحزن". وأردف: "أرشدنا بعضهم لوجود بركة مِياه، فذهبنا، كنا قد وصلنا إلى هربيا". علّقتُ: "في هربيا ينابيعُ كثيرة.."، فأجابني "والله لا أعرف.."، وأكمل: "ما أعرفه أننا سررنا عند وصولها، جلسنا في بيارة برتقال، وبتنا ليلتنا هناك.. ولكن إطلاق الرصاص استمر.. فأكملنا الطريق إلى جباليا".
وجد اللاجئون من جنوب فلسطين، الذين خرجوا بالقوة وقصف الطائرات، التي ألقت قنابل ومنشورات تهدد الأهالي، في ينابيع الماء والبساتين في هربيا ملاذا. وامتزج هناك على ما يبدو لهو الصغار مع الرعب، تماماً كما امتزج ألم ومعاناة اللجوء والحصار، الآن، مع الرغبة بالعودة ومع متعة إعداد شاي الحطب في الخيمة أعلاه، مع لهو الصغيرين، حيث ربما تداولوا نبأ إشاعات أطلقها ضباط الجيش الإسرائيلي مستخدمين وسائل التواصل الاجتماعي، بدل منشورات الإرهاب التي ألقتها طائراتهم العام 1948.
عرفتُ أول مرة، هذا العام عن مسيرات العودة، من صفحة "أكاديمي في القطاع"، على "فيسبوك"، يتصور من مكانٍ عال، ويشير لأهل قريته باتجاه القرية داخل الحدود.
صارت هربيا رمزاً للعودة منذ وقت مبكر، فخليل الوزير (أبو جهاد) ابن الرملة، كتبَ عن بدء نشاطه المسلّح مع أصدقائه، في العام 1954، في سن 19 عاما، فيذكر "وقمنا بتكثيف عملياتنا التي انطلق بعضها من منطقة هربيا، وأذكر أن الشهيد البطل عبد الله صيام (استشهد العام 1982 في لبنان) كان يقود إحدى مجموعاتنا من تلك المنطقة، كان طالباً في الجامعة بالقاهرة، وحين يأتي في الإجازات كان يتولى قيادة المجموعات القتالية".
في روايةٍ غير منشورة لكمال عدوان، بعنوان "إرهاب وراء الحدود"، العام 1958، يروي قصّة بدء المقاومة في غزة، وتفاصيل المقاومة أثناء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة العام 1956، وينقسم المشهد الختامي، للرواية، لجزأين، في الأول بطل الرواية، تعترف له الفتاة التي يحبها بحبها، ويعترف لها، بعد خوضهما النضال ضد احتلال القطاع، ويتواعدا، وهو ينظر إلى عينيها وشعرها، أن يذهب لطلب يدها في ذلك اليوم. ثم النهاية، وهو ينظر من منطقة بيت حانون "وامتد بصره أكثر، ها هي،.. إنها تبدو واضحة، دير سنيد، هربيا، بيت جرجا، بربرة، حتى بيارة رودولف تبدو من هنا واضحة. الله أكبر، ما أحلاها من ذكريات، وأحس بعاطفة تدفعه يتقدم، ولكن إلى أين..؟ إنه لا يجرؤ أن يتخطى الحدود وهو يرى الموت على خطوات منه، وأرضه ومزارعه لم تعد له، إنه لِصٌّ فيها، كيف يتقدم؟
هذه عسقلان، ومقام الحسين بن علي، وتذكّر وادي النمل، حلقات الشباب على شاطئ البحر ترقص وتقفز.. تغني وتصرخ، وتذكر البيض الأصفر الملون".
ثم يناجي رفيقه وهو يُسلم الروح شهيداً "أهدافنا الأساسية، تشكيل شعبي ثوري عريض، الدولة الفلسطينية، والمجتمع الفلسطيني السليم (...) أكملوا اجتماعاتكم، وسيروا في الطريق إلى نهايته. إن مُتُّ أنا اليوم، ومات غدا غيري لا تقفوا، يموت الشباب، وتظل الفكرة لتحيا البلد..
الحزب من أجل البلد.. والكل من أجل البلد..".

التعليق