علاء الدين أبو زينة

تعليم المجالس وأُميّة العصر الرقمي..!

تم نشره في الخميس 12 نيسان / أبريل 2018. 12:06 صباحاً


كان أبي رجلاً "أُميّاً" -بمعنى العلاقة بالقراءة والكتابة. ومع ذلك، كان يروي لنا في السهرات قصة الزير سالم، بما فيها من نثر وشعر، وتغريبة بني هلال أيضاً وأشياء أخرى. وكان يحفظ أشعاراً لعبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان. وكان يتابع الأخبار في المذياع الكبير الذي يعمل باللمبات، ثم الترانزستور، بعناية كبيرة. وبذلك كان يعرف كل ما يدور في العالم تقريباً، وينحاز إلى الاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت، عن وعي حقيقي وليس سذاجة.
ولم يكن والدي يختلف كثيراً عن أصدقائه من "الأميين" الذين يعرفون الكثير جداً من القصص والأخبار والطرائف والحِكم. وعندما يزورنا أبو علي، صديقه الذي يُصلح لنا المذياع ويبرع في صناعة مختلف الأشياء، كان الاستماع إلى الحوارات بينهما متعة ومعرفة. وكذلك جارنا الذي يعمل في معصرة للسمسم، أو "الختيارية" الذين يجلسون أمام دكان الحارة في المساء. ومعظم هؤلاء لم يلتحقوا بالمدرسة أو الكُتاب. والمتعلمون منهم لم يصلوا إلى "المترك" ولا الجامعة، لكنهم جمعوا من الحياة والمجالس زاداً لا ينضب من الموضوعات التي يقضون الوقت في تداولها في زمن غياب التلفاز والحواسيب والهواتف الذكية. وبطبيعة الحال، كانت "السياسة" جزءاً حاضراً من الأحاديث، من خطابات عبد الناصر إلى التفاعلات السياسية المحلية، إلى الصراع بين الشرق والغرب، إلى التفاصيل الدقيقة لما حدث في فلسطين والمنطقة، من زمن تركيا إلى بريطانيا إلى اليهود، بالأسماء والتواريخ والأحداث الصغيرة والكبيرة.
عندما لم يكن ثمة غير المذياع، رسم هؤلاء ببراعة صوراً دقيقة للناس والأماكن حتى يشعر المستمع بأنه يعرفهم ويراها. وكانت لهم قدرة على صناعة العاطفة وخلق الاتجاهات ونقل الخبرة لمَن يريد أن يتعلم ويرى الحياة بتنوعاتها. وبطريقة ما، كانت العلاقات الاجتماعية والجيرة والشارع في زمنهم أجمل وأبسط، لا يكاد يُلحظ فيها زيف ولا تعالٍ أو خبث ومنافسة. وبالرغم من شتى أنواع قسوة الظروف والأحداث، بدا أولئك "الأميون" متصالحين مع العالَم، وقادرين على تدبر أمورهم معه بطريقة توحي بأنهم يفهمونه ويعرفون كيف يداورونه.
يُنقل عن الضابط الإنجليزي الشهير، لورنس العرب، وصفه لذلك التعليم غير المدرسيّ في منطقتنا في زمنه، حين كتب: "بالنسبة للعرب العاديين، كان موقد النار بمثابة جامعة، يمر من حوله عالمهم، ويسمعون هناك أفضل الحديث، وأخبار عشائرهم، وقصائدها، وتاريخها، وحكايات الحب فيها، ومحاكماتها، ومساوماتها".
في المقابل، أصبح الذين لا يعرفون القراءة والكتابة في هذه الأوقات قلة. وأصبح المتعلمون في الجامعات والمعاهد أكثرية غالبة. وفوق ذلك، تعددت وسائل توزيع المعلومة ومصادر المعرفة بما لا يُقاس. لكنّ الانطباع عند التدقيق هو أن الكثيرين "لا يقرأون ولا يكتبون"، بدءاً من القراءة والكتابة –حرفياً- وذهاباً إلى معرفة ما يجري في العالَم، إلى إدارة الحياة مع العالَم وكيفية العلاقة معه، وليس انتهاء بالتفاعلات الاجتماعية وحجم الاتصال والانفصال بين الناس.
ربما يقول البعض أن ذلك الجيل القديم "الأمي" الذي أتحدث عنه كان ذا عقلية عشائرية، بدائياً ويؤوي عداوات وثارات وسذاجات. ولكن، ما معنى التعليم (بمعنى فك الحرف والشهادات) إذا كانت هذه المظاهر حاضرة الآن بطغيان أكبر في التكوينات وفي العقل الاجتماعي؟ ثمة الآن عشائرية، وطائفية، وثارات وسذاجات. وهناك جهل غالب بما يجري في الجوار القريب والعالم تقريباً. والأحاديث أصبحت بلا لون ولا طعم –إذا تسنى الحديث ورفع الجلاس أعينهم عن الهاتف الخلوي. ولا حكايات ولا سِير ولا شِعر، ولا حتى قصص الأمهات والجدات الليلية التي تثري المخيلة، ناهيك عن عرض فهم معقول للعالم أو المحيط أو التفاهم معهما.
كأن المذياع والمجالس كانت أكثر براعة في التعليم من التلفاز والحاسوب والهاتف النقال والمدرسة. وكأنها وضعت الفرد في شبكة من العلاقات والتعقيدات التي جعلته أُميّاً تماماً أمام فهمها والملاحة في مياهها الصاخبة. وربما ينبغي إعادة النظر في تعريف الأمي والمتعلم في اتجاه تقييم أكثر دقة للمجتمع الجاهل والعارف، واكتشاف الطرق التي ربما تفضي حقاً إلى مكافحة الأمية.

التعليق