سياسة الذكورية المفرطة

تم نشره في الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً
  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب -(أرشيفية)

إيان بورما*

نيويورك- تشهد العديد من البلدان في العالم، اليوم، ثورات من الذكورة المفرطة. ويقدم رئيس الولايات المتحدة نفسه على أنه نوع من رجال الكهوف، الذين يضربون على صدرهم، ويعتدون على النساء، ويصدرون زئيراً مثل القرود الضخمة. وقد تمكن جوردن بيترسون، أستاذ علم النفس الكندي، من جذب عدد لا يحصى من الشباب الذكور، حين أخبرهم أن عليهم الوقوف بشكل مستقيم، ومحاربة الليونة الليبرالية، وإعادة تأكيد سلطة الذكور، واستعادة التسلسلات الهرمية الاجتماعية القديمة الذي يعتقد أنها قوى الطبيعة. ويبقى بيترسون أكثر خلقاً من جورو بلان، الخبير الآخر في مجال المساعدة الذاتية للذكور، والذي تسبب في فضيحة قبل بضع سنوات بقوله أن النساء يستمتعن بالتعرض للعنف.
كانت مثل هذه الثورات قد حدثت من قبل بطريقة سياسية سيئة. ففي إيطاليا بين الحربين العالميتين، جعل موسوليني نفسه محوراً للعبادة الذكورية: القائد الفاشي العظيم المتعجرف، الذي يرتدي أحذية ركوب الخيل، ويثبت يديه على حزامه الجلدي، مستعرضا فكّه الكبير، والذي كان يسيطر على إيطاليا، كما لو أنها عشيقته المطيعة.              
ويحذو قادة فاشيون آخرون في أوروبا حذو موسوليني. فبعد أن انتابهم شعور بالانحطاط الوطني، ونمو الثقافات الناعمة، سعوا إلى إحياء شعوبهم من خلال إقامة عروض الرجولة المسرحية. وقد أوضح وصف هتلر للشباب المثل الرجولي التالي: "سريعون مثل كلاب الصيد، أقوياء مثل الجلد، وصارمين مثل الصلب".
ولم يقتصر تصاعد العنف والرجولة المفرطة على العالم الغربي فقط. فالأشكال المتنافرة للنزعة العسكرية اليابانية في الثلاثينيات معروفة للغاية. لكن ما حدث في الهند في تلك الفترة لم يكن معروفاً. وقد عمل القوميون المتطرفون الهندوس على تأسيس راشتريا سوايامسيفاك سانغ، وهي منظمة قومية هندوسية طوعية شبه عسكرية، والتي ما يزال لها تأثير قوي على حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم اليوم. وتحاكي هذه المنظمة القومية المستوحاة من شعارات القرن التاسع عشر مثل "لحم البقر، عضلة الذراع، وبهاكافاد غيتا"، الفاشيين الأوروبيين من خلال غرس مُثلهم العليا من الانضباط العسكري في الشباب الهندوس الذين يرتدون الزي الكاكي.
على الرغم من حدوث ثورات الرجولة المفرطة في نفس الوقت في أجزاء مختلفة من العالم، فإنها تحدث لأسباب عدة: العار أو الخوف من العار. كان القوميون الهندوس في الهند يتفاعلون، بشكل مفهوم للغاية، مع عار الاستعباد الاستعماري. وكان عليهم أن يكونوا أقوياء مثل أسيادهم البريطانيين، حتى لو كان هذا ينطوي على ممارسة عادة أكل لحم البقر الغريبة.
شعر العديد من الألمان، وخاصة الرجال الذين خدموا في القوات المسلحة، بالإهانة من الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، ومن الشروط القاسية التي فرضتها على بلادهم الحكومات المتحالفة. وقد أرادوا الانتقام -ليس من الحلفاء المنتصرين فحسب، بل وأيضاً من الليبراليين واليهود الذين خانوا ثقتهم.
وكان الفرنسيون الذين أنشؤوا حركات يمينية متطرفة مثل حركة "فرانسوايز" في نهاية القرن التاسع عشر، يتذمرون من الهزيمة في الحرب الفرنسية البروسية في العام 1871. وكان المفكرون الفرنسيون الرجعيون يرغبون في إعادة إحياء الأمة. وقد عانى البعض من فكرة الانهيار الفرنسي لدرجة أنهم رحبوا بالغزو الألماني في العام 1940 كصدمة ضرورية سيكون من شأنها استعادة المزايا الرجولية.
إذن، ما سبب اندلاع ثورات الذكورية السياسية اليوم؟ لماذا في الولايات المتحدة؟ ولماذا في أوروبا؟
يمكن أن تكون للخوف من الإذلال العديد من الأسباب. قد يشعر بعض الشبان بالخوف من المطالبة بالمساواة بين الجنسين. فعلى الرغم من أن الرجال ما يزالون يحتلون معظم المناصب القيادية في المجتمع، إلا أن ذلك غير كاف. وفي واقع الأمر، كان من أحد أسباب كراهية هيلاري كلينتون كمرشحة رئاسية أنها ذكّرت الكثير من الرجال بهذا النوع من القادة النساء الذين يكرهونه.
يبدو أن العديد من الشباب يتوقون إلى الحصول على ضمانات من معلمي تحسين الذات الذين يقولون لهم إنه من الطبيعي أن يكون الرجل قائداً. وقد يشعر آخرون بالتهديد الجنسي بسبب حركة #MeToo والدفاع عن حقوق المرأة.
يتمثل الهدف الآخر للحق الرجولي في التعددية الثقافية، ووجود المسلمين على وجه الخصوص. ويصاحب العدد المتزايد من النساء في المناصب القيادية في المجتمعات الغربية عدد متزايد من الأشخاص الناجحين من أصل غير أوروبي. وكما هو الحال مع اليهود في الماضي، يعتبر المسلمون اليوم بمثابة خطر على الحضارة الغربية: كما لو كانوا متعصبين وإرهابيين.
لكن الحقيقة هي أن معظم المسلمين في الغرب هم في موقف ضعف، مما يجعلهم أهدافاً سهلة المنال للعدوان الشعبي. وفي الوقت الذي يحدث فيه ذلك في الداخل، تأخذ القوى غير الغربية، مثل الصين، الخطوط العريضة للتهديد الوجودي في الخارج.
إذا كان يُنظر لكلينتون على أنها شخصية مهينة لسلطة المرأة، فإن باراك حسين أوباما، على الرغم من أنه لم يكن ليناً، يمثل كل ما يستاء منه العديد من الناس: كان متعلماً بدرجة عالية، وليبرالياً، وكان له اسم وسط مسلم، وكان والده أفريقياً. وأظهرت رئاسة أوباما، إلى جانب صعود الصين، وظهور المهاجرين غير الغربيين، وتحديات الحركة النسائية، مدى تغير العالم. وهكذا اختار الناس رئيساً طويلاً، أشقر، متكبراً، كارهاً للنساء، حيث وعدهم بتغيير كل شيء مرة أخرى. ومع ذلك، وعلى نحو ما، فإن الذكورة المفرطة لترامب تبدو غير مقنعة بشكل واضح. فعلى الرغم من تهديداته، ما يزال لدى المرء انطباع بأن وراء تلك الشخصية الذكورية رجل أبيض خائف، يعرف أن الأمور أصبحت خارجة على سيطرته.

*محرر "ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس"، ومؤلف العديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت فان كوخ وحدود التسامح"، و"العام صفر: تأريخ للعام 1945".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق