أكشاك الكتب في وسط البلد.. مساحات ضيقة لفضاءات رحبة

تم نشره في الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً
  • مكتبة "الجاحظ" في وسط البلد-(تصوير: أسامة الرفاعي)

رشا سلامة

عمان- قد لا يجول في خُلد كثيرين أن مساحات ثقافية ضيقة في وسط البلد، تُراوح بين أن تكون بسطات أو أكشاكا، تملك أن تضمّ السيرة الذاتية لتشي غيفارا جنبا إلى جنب مع صحيح البخاري، وأن كتابا سياسيا يسلط الضوء على مسيرة جمال عبد الناصر يجاور كتابا يتحدث عن العقيدة السياسية للمحافظين الجدد. وقد لا يجول في خُلد كثيرين أيضا بأن باحثين عن الثقافة من أطياف وشرائح عدة يولون وجوههم شطر هذه المساحات الضيقة، والمتناثرة ببانورامية شعبية في قلب المدينة القديم، بشكل يشبه طقسا بات ثابتا لديهم بل ومتوارثا في مرات.
حسن أبو علي.. اسم يصعب على المنخرط في الوسط الثقافي الأردني، بشكل أو بآخر، الجهل به أو نسيانه؛ ذلك أنه يكاد يكون واحدا من أبرز الشخصيات الثقافية في عمان، على كلا المستويين النخبوي والشعبي.
أبو علي لم يكتسب شهرته الواسعة من خلال توفيره أحدث إصدارات دور النشر العربية فحسب، بل ومن حيث اعتباره قبلة للمثقفين الذين كثيرا ما يجتمعون بجانبه، وتحديدا في تلك الدخلة الضيقة التي تفصله عن حلويات حبيبة الملاصقة له.
يقول "قد لا يتبادر لذهن من يتعرف إلى كشكي، الذي لا تتجاوز مساحته مترين ونصف في متر، أن مثقفين من العرب إلى جانب المحليين يحرصون على زيارته واقتناء الكتب منه".
أبو علي، الذي يركز على البعد العربي في معروضاته ورؤيته الثقافية إلى حد أطلق فيه على الكشك اسم "الثقافة العربية"، يخمّن أن وصفة النجاح التي كانت وراء صيته الذائع لا تعدو أن تكون "التركيز على الروايات العربية والعالمية ذات السوية العالية، إلى جانب إعطاء الصدارة دوما للكتاب المحليين، وكذلك إعطاء الأولوية للحسابات الإنسانية والاجتماعية وليس المادية؛ إذ دفتر الديون يعجّ بأسماء كثيرة لم تسدد ما عليها من أثمان كتب منذ أعوام، بيد أن هذا كله لا يهم. المهم هو انتقاؤهم هذا الكشك ليحصلوا على الثقافة"، كما يقول.
يضيف "لست بتاجر كتب. أعدّ نفسي واحدا من هذا الوسط. ولربما أكثر ما استفدته من هذا الكشك علاقتي الوثيقة بالمثقفين والباحثين عن الثقافة، واكتساب أولادي الستة ثقافة جيدة بفضله".
من كشك أبو علي الذي يشارف على الأربعين عاما، إلى كشك "الطليعة"، الذي يبلغ عُمر آنفه، وإن كان مالكه حاليا سامي أبو حسين يقول بإن والده أسّس لهذه المهنة منذ كان يبيع الكتب والجرائد على الرصيف في العام 1948.
ينصب أبو حسين كشكه على أحد أرصفة وسط البلد، فيما مكتبه الصغير يقبع خلفه، ليُلصِقَ على زجاجه لوحات ملونة بقوائم الكتب الأكثر مبيعا، والروايات الأكثر شهرة، والكتب العراقية الأحدث، وغيرها من تصنيفات شِعرية تهيمن عليها أسماء محمود درويش وتوفيق زيّاد وتميم البرغوثي وغيرهم.
على الرغم مما يوحي به المشهد الآنف من إيجابية، فإن أبو حسين يبدو محبطا. يقول "كنت زمان أنزل أداوم على الستة ونص. اليوم صرت أنزل على التسعة. الإقبال صفر. فش حدا بده قراءة".
يرصد أبو حسين أن هذا الخلل الذي ألمّ بالجسد الثقافي وقع منذ التسعينيات، موضحا "في السبعينيات والثمانينيات كان الوضع مختلفا تماما. حتى على مستوى الجرائد، كنا نبيع في مرات ما يزيد على المائة جريدة في اليوم الواحد، اليوم بالكاد نبيع عشرا".
يكمل بأن رواد الثقافة الأبرز كانوا من فلسطينيي المناطق المحتلة في العام 1948 وكذلك من العراقيين والسودانيين، وفقا له، "بيد أنهم تراجعوا عن ذلك أيضا"، يكمل.
يعزو أبو حسين ما سبق إلى الأوساط الإلكترونية التي باتت تنافس الثقافة الورقية حتى تمكّنت منها، مضيفا بأن تراجع الأوضاع المادية للمواطن الأردني أسهم في تفشي المشكلة أيضا.
بألم، يطرق برأسه، قائلا "مش موفية بالمرة. مع اني مقتنع بمهنتي كمهنة، لكن والله لو يصحّلي لأقلبها قهوة. الثقافة مش جايبة همّها".
"خزانة الجاحظ"، كشك عمّاني آخر يتخذ من وسط البلد مستقرا له منذ ما يقارب العقدين، وإن كانت نواته سبقت ذلك التاريخ على هيئة بسطة عند سبيل الحوريات، بحسب القائم عليه حاليا حمزة المعايطة، الذي يضيف "كان ذلك حين اشترى والدي مكتبة الانتداب البريطاني غداة استقلال البلاد".
يقول "الحقيقة أن الحسابات لهذا الكشك ليست مادية عند عائلتي؛ إذ نملك من الأراضي ما يكفي. الفكرة لدينا فقط هي إنفاذ وصية أجدادنا ووالدنا بتأمين الثقافة للعامة بأقل تكلفة ممكنة".
الكتاب إذ يخرج من حيز المُلكية الفردية إلى فضاء المُلكية الجماعية.. لعل الشعار الآنف هو الأكثر دقة لوصف مبدأ الإعارة الذي سنّه المعايطة لتسهيل حصول محدودي الدخل على الكتب. يقول "تتراوح أثمان الكتب من خمسة إلى سبعة دنانير في المجمل. أطلب من مستعير الكتاب أن يدفع خمسة دنانير فقط، على أن يسترد أربعة منها عند إعادة الكتاب، وبذا فإنه في حال عدم إعادته فقد حصلت على ثمن الكتاب تقريبا، وفي حال أعاده، فإن ثقة تنشأ بيني وبينه حتى أني ما عدت أطلب غير دينار على كتب يستعيرها أناس بتّ أعرفهم وأثق بأنهم سيعيدونها".
الإعارة تحفّز على القراءة في مدة زمنية محددة والبدء بكتاب آخر وهكذا دواليك، بحسب المعايطة، في معرض شرحه عن فوائد هذا النظام، مكملا "كما أننا في هذا الكشك نعتمد نظاما أشبه بالطوارئ؛ إذ هو مفتوح طوال الأربع وعشرين ساعة؛ لنؤمّن الثقافة لمريديها الكثر، بعكس ما يروّج له البعض عن قلّة القرّاء".

التعليق