موت الأيديولوجيا

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً
  • علما أميركا والاتحاد السوفياتي، قطبا الصراع الأيديولوجي في القرن العشرين - (أرشيفية)

جاكوب ل. شابيرو – (جيوبوليتيكال فيوتشرز) 5/4/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بينما يصبح العالم أكثر تنافسية ويصبح من الأكثر صعوبة على الشخص العادي أن يتخيل المسار الحالي الذي يمكن أن يقود إلى غد أفضل، فإن الرغبة في الأيديولوجيا ستتصاعد. ليست الأيديولوجيا هي التي تشكل العلاقات الثنائية، لأنها لم تظهر بعد أي أيديولوجية تستطيع أن تلتقط روح العصر.
*   *   *
بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، قام أكثر من 20 بلداً بطرد دبلوماسيين روساً بداية الشهر. ووعدت موسكو بالرد بالمثل، وقادت 60 دبلوماسياً أجنبياً فعلياً إلى الباب. ويتقاذف المعلقون في الإعلام الغربي والصحافة الروسية بأنفاس متقطعة السؤال نفسه: هل العالم على أعتاب حرب باردة ثانية؟ وهو سؤال غريب للعديد من الأسباب، لكنني سأقصر نفسي هنا على شرح واحد منها فقط. كان الاتحاد السوفياتي ينظر إلى نفسه على أنه طليعة الثورة العالمية -وكان ذلك بمثابة الغاية التي تبرر الوسيلة. واعتقدت الولايات المتحدة بالمثل بأنها نور ليبرالي فريد يهدي الأمم التي تعهدت بالدفاع عن حرية كل فرد.
لكن الشيء نفسه لم يعد يمكن أن يقال اليوم عن أي منهما. وفي الحقيقة، لا يمكن أن يقال إن أياً من بلدان العالم الرئيسية يمتلك أيديولوجيا تحفز أفعاله أو تبررها. لم تعد روسيا والصين تسعيان إلى الثورة العالمية بعد الآن. وتسعى إلى تحقيق مصالحها في مناطقها العازلة، بينما تسعى الصين إلى تحقيق مصالحها الوطنية في مياهها الساحلية. ولم تعد "جوتشي" juche (1) كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية أكثر من مجرد برنامج نووي. وفي أوروبا، يعتقد حتى أكثر الناس حماسة للاتحاد الأوروبي أنه سيترتب على بروكسل -عند نقطة معينة- أن تهتم بشؤونها الخاصة. وبالنسبة للولايات المتحدة، وباستثناء حفلة ساهرة وجيزة للمحافظين في بداية الألفية، كانت واشنطن أكثر تشوشاً من أي وقت آخر منذ العام 1991. ولم تكن سنة ونصف من "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى" أكثر من مجرد "جعل أميركا أكثر قوة".
عصر الأيديولوجيا
تمتعت الأيديولوجيا بفترة مزدهرة –حيث حكمت لنحو 52 عاماً، منذ العام 1939، الذي بدأت فيه الحرب العالمية الثانية. وما تزال ذكرى تلك الحرب تطارد العالم. ومثل الحرب الباردة، كانت الحرب العالمية الثانية حرب أيديولوجيا -الليبرالية الديمقراطية، والشيوعية، والفاشية، والتحرر الوطني (في توليفات مختلفة اعتماداً على السنة). وفي حقيقة الأمر، ما تزال مجازات الحرب العالمية الثانية وعباراتها كلية الحضور اليوم، وتستخدم في أي محادثة يعبر فيها أحد عن عاطفة متطرفة، وكذلك الاقتتال على الذاكرة التاريخية للحرب العالمية الثانية، والذي يستعر على ما يبدو على أساس يومي في العناوين الرئيسية. في بولندا، يتواصل هذا الاقتتال على الذاكرة التاريخية حول من هو الذي يجب أن يُسند إليه اللوم عن ارتكاب جرائم حرب معينة. وفي كوريا الجنوبية، يدور القتال حول كيف يجب تحميل اليابان المسؤولية عن فظاعاتها في زمن الحرب. وكذلك في الشرق الأوسط، حيث الشيء الوحيد الذي تشترك فيه تركيا وإيران هو أن الغرباء قارنوا كلا منهما، في أوقات مختلفة، بألمانيا النازية.
لكن العالم اليوم لا يشبه ذلك العالم المشحون أيديولوجياً في الأعوام ما بين 1939 و1991، فيما يعود جزئياً إلى مدى الرعب الذي يشعر به العالم من العودة إلى مثل تلك الأوقات. وفي واقع الأمر، يبدو العالم اليوم أكثر شبهاً بكثير بما كانت عليه الأحوال خلال العقود التي سبقت صراعاً عالمياً مختلفاً -الحرب العالمية الأولى. لم تكن تلك حرباً أيديولوجية؛ كانت حرباً من أجل القوة الوطنية من دون تظاهر في زمن صعود القوى وهبوطها. وفي ذلك الوقت، لم تعد ألمانيا ترغب في انتظار سقوط الإمبراطورية البريطانية. وأرادت الولايات المتحدة أكثر من أي شيء آخر أن تُترك لشأنها. والعثمانيون، والمجريون-النمساويون والروس كانوا يتدهورون ببطء ويبحثون عن طريقة لضخ شيء من الحيوية في عروق أنظمتهم السياسية الفاشلة. وفي تلك الأثناء، كان الفرنسيون يبتكرون الجبن الطري ويحاولون نسيان عصر الثورات ونابليون. وعندما تم اغتيال الأرشيدوق فرانز فيرديناند، كان نظام التحالفات الأوروبي مبنياً بطريقة جعلت من نشوب الحرب أمراً حتمياً.
من الممكن تعقب مخطط بنية قوة مشابه في النظام العالمي الراهن. ثمة قوة إمبريالية مهيمنة -الولايات المتحدة- والتي تنخرط في جهد متواصل للتعامل بارتباك مع المشكلات التي تبرز بكثرة، من أجل المحافظة على الوضع الراهن. وفي المقابل، تحاول القوى التي تكسب المزيد من القوة، مثل الصين وتركيا، باستنطاق حصة أميركا غير المتناسبة من السلطة والثروة. وتبدو الكيانات متعددة الإثنيات، مثل الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي، وكأنها تجاوزت ذراها، وهو ما يفضى على التوالي إلى الاستعانة بعلاجات عدوانية وغير فعالة في محاولة لوقف النزيف. كما أن القضايا التي تهمين على عناوين الأخبار ليست أيديولوجية، وإنما بيروقراطية: التعريفات الأميركية على الإغراق الصيني من الألمنيوم والصلب؛ وإعادة التفاوض على اتفاقيات التجارة الحرة (بما فيها اتفاقيتي "نافتا" و"بريكست")؛ والتعويضات المالية لإسكان اللاجئين المسلمين (كما هو حال الصفقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا)؛ والاتفاق النووي الإيراني. ولا يشكل هذا الواقع فأل خير بالضرورة. فلم يمنع غياب الأيديولوجية 20 مليون شخص من مواجهة مصير الموت في الحرب العالمية الأولى -كما أن الأيديولوجيات التي هيمنت بطريقة مدمرة جداً على العالم في النصف الثاني من القرن العشرين كانت قد ولدت من ذلك الصراع العالمي الملحمي الأول. لكن الحرب العالمية الأولى حدثت قبل وقت طويل بما يكفي لجعل دروسها تذهب في معظمها إلى ثقب النسيان.
الأيديولوجيا في مقابل المنافسة
الأيديولوجيا هي الرعب الذي يبقي الليبراليين والمحافظين، والمستبدين والديمقراطيين، مستيقظين في الليل. الغرب يتحسب من عودة للاتحاد السوفياتي؛ وروسيا تخشى تغييراً في النظام بدعم غربي؛ والجميع يخشون الإسلام المتطرف، الذي يشكل في الوقت الراهن -فيما ينطوي على مفارقة- أكثر الأيديولوجيات السياسية وضوحاً، حتى ولو أنها الأيديولوجية الأكثر وحشية أيضاً. ومن المهم فهم هذا التحفظ العالمي تجاه الأيديولوجيا، لأن ما تخشاه الدول هو أقوى مؤشر على ما ستفعله. لكن من المهم بالمقدار نفسه فهم أن هذه القوى الأيديولوجية فاقمت صراعات القرن العشرين، ولم تكن هي التي تسببت فيها. كان أصل هذه الصراعات هو المنافسة بين القوى العظمى، ويبدو أن العالم يتجه الآن نحو منافسة جديدة.
ربما لا يوجد مثال أفضل على الصمم المحيط بفهم أوجه وطبيعة الأيديولوجيا أكثر مما يعرض الخطاب السياسي الأميركي. فخلال فترته في المنصب، كان الرئيس السابق باراك أوباما يوصف في كثير من الأحيان بأنه اشتراكي -من جهة أعدائه، الذين استخدموا الوصف كمصطلح مهين؛ ومن جهة أنصاره الذين اعتقدوا أنه سيجعل أميركا مثل السويد. ويوصف الرئيس دونالد ترامب بشكل روتيني بأنه شعبوي -من جهة أعدائه الذين يكرهون ديماغوجيته، ومن جهة أنصاره الذين يقدرون موقفه المتشدد في شأن الهجرة. ولا تتوافق أي من وجهات النظر الشعبية حول أي من هذين الرجلين مع الواقع. لم يكن أوباما اشتراكياً -فأي مثال اشتراكي نموذجي يمكن أن يوافق أبداً على إنقاذ شركة التأمين متعددية الجنسيات العملاقة AIG. وترامب ليس شعبوياً -فأي شعبوي هو الذي يمكن أن يزعم أن المستويات العالية غير المنطقية في البورصة هي أمر جيد للعمال ذوي الدخول المنخفضة والمتوسطة؟ في الولايات المتحدة، لا تعدو الشاخصات السياسية كونها اهتياجات فاحشة، إلى حد أنه أصبح من الصعب معرفة من يقف مع ماذا في هذه الأوقات.
من اللافت أن هذه ليست ظاهرة أميركية فقط. إنها تحدث في كل أنحاء العالم، وفي البلدان التي يمكن أن تشكل انقساماتها الداخلية تهديداً للنظام حقاً. والصين وتركيا هما مجرد أمثلة. وقد عنى ذلك في الممارسة إخماد النقاش العام خوفاً من احتمال أن يطلق هذا الجدل ويرفع شخصيات سلطوية محافظة خوفاً من البديل. ولا تعدو كل هذه اللاعقلانية كونها تجسيداً لمستوى متعمق من القلق الشعبي -قلق يعكس المصالح المتفارقة لدول العالم. وفي عالم يبدو فيه المستقبل غير أكيد باطراد، وحيث الآفاق الاقتصادية للأجيال المستقبلية قاتمة، يمكن أن يتم توجيه السخط بسهولة نحو القوة العالمية العظمى. وينظر إلى هذه القوة العظمى على أنها تستأثر بحصة غير عادلة من السلطة والمال، اللذين ينبغي توزيعهما بطريقة أكثر عدلاً. وفي الوقت نفسه، تريد القوة العالمية العظمى نفسها أن تُترك لشأنها وأن تحتفظ بموقعها، وهو ما يفضي إلى أنواع من السلوك الغرائبي، وتستمر الدورة بلا توقف.
ليس ثمة صراع أيديولوجي كبير وشيك؛ وما من ستار حديدي جديد يوشك على أن ينسدل على أي من قارات العالم. وهناك قوة عالمية مهيمنة وطبقة ثانية من القوى الصاعدة والهابطة على حد سواء، والتي تريد الحد من هيمنة الولايات المتحدة، لكنها غير قوية بما يكفي لتحقيق هذه الغاية. ويخلق ذلك خلافات. وثمة ميل إلى العودة والحنين إلى حقبة الحرب الباردة لمحاولة فهم هذه الخلافات، وهو ما يشكل مناظرة خاطئة. ثمة نظير أكثر دقة هو حقبة النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان ذلك وقتاً لتنافس القوى العظمى الصاعدة؛ وقتاً عندما كانت العلاقات بين الدول تدور حول المصالح الوطنية، وليس حول الاعتقاد بالصلاح الذاتي الأيديولوجي. ومع ذلك، وحتى بينما أعادت القوى الوطنية تشكيل العالم، ظل البشر يتوقون إلى الأيديولوجيا (أو الدين أو العلم أو أي نظرة عالمية أخرى). تاقوا إلى الأيديولوجيا لأنها وعدت بأن تعرض فهماً للاعقلاني، وأن تعطي معنى للدنيوي. وعندما انفجرت الحرب، لم يكن ثمة عوز في الأيدولوجيات المتاحة للجماهير، والتي توفر فهماً للمذبحة.
في الهيكل العالمي الحالي، هناك قوة عالمية مهيمنة، لكنها تواجه التحدي بشكل متزايد من قوى أخرى تسعى إلى الدفاع عن مصالحها الوطنية أو تحقيق هذه المصالح. وبينما يصبح العالم أكثر تنافسية ويصبح من الأكثر صعوبة على الشخص العادي أن يتخيل المسار الحالي الذي يمكن أن يقود إلى غد أفضل، فإن الرغبة في الأيديولوجيا ستتصاعد. ليست الأيديولوجيا هي التي تشكل العلاقات الثنائية، لأنها لم تظهر بعد أي أيديولوجيا تستطيع أن تلتقط روح العصر. وما يزال العالم يدور في أفلاك الأيديولوجيات القديمة، ويحاول أن يفهم القرن الحادي والعشرين من خلال عدسات القرن العشرين. ويعني هذا أننا على مشارف الحرب الباردة الثانية. لقد ماتت الأيديولوجيا. وحتى مع ذلك، فإننا نستطيع أن نرى سلفاً شكل الآلهة الجديدة التي يجري خلقها الآن.

هامش
(1) تسترشد جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية في أنشطتها بفكرة جوشي Juche التي وضعها الرئيس كيم إيل سونغ. وتعني فكرة الجوشي، باختصار، أن سادة الثورة والبناء هم جماهير الشعب، وأنهم أيضاً القوة المحركة للثورة والبناء.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Ideology Is Dead   

التعليق