ما بعد التشخيص..

تم نشره في الاثنين 23 نيسان / أبريل 2018. 11:05 مـساءً

الأردن منتدى مفتوح فيه فضاءات واسعة للتفكير والتعبير يناقش الناس القضايا العالمية والإقليمية والمحلية بانفتاح لا حدود له. المواضيع المطروحة والمستجدة كافة تشبع بحثا وتحليلا، لكن الأفكار التي تتولد من النقاشات والحوارات تبقى بعيدة عن اهتمامات المسؤولين وصناع القرار، فالبحث في جهة والقرار في جهة أخرى. حتى المناقشات التي يمكن أن يجريها النواب لمشاريع القوانين قد تبقى بعيدة عن نوعية المواقف التي يتخذها الأشخاص أنفسهم من هذه القوانين، الأمر الذي يبعث على الحيرة والتأمل، وقد يدفعك للظن بأن هناك قوى خارقة أو مخلوقات أخرى تحرك الأشياء وتوجهها على غير ما يريد بنو البشر!
العيش في الأردن يكسب الفرد القدرة على الحوار والتحليل، وربما يفسر ذلك ظاهرة إبداع الأردنيين عندما يذهبون للعمل في الخارج، فالإعلامي الأردني في الخارج يقدم أكثر بكثير مما يسهم به في الداخل، كذلك الأساتذة والإداريون والخبراء.
في الأردن، لدينا مشكلات عميقة ومزمنة واستجابات لا ترقى الى مستوى الحلول، الأمر الذي جعلنا نستمر في تشخيص مشكلاتنا وغير قادرين على إحداث اختراقات مهمة في اتجاه تجاوزها والتخلص من الأعباء والآثار التي تتركها على واقعنا ومستقبلنا.
لفترات طويلة، كان الصراع العربي الإسرائيلي واقتصاد المواجهة سببين لإعفاء مؤسساتنا وجامعاتنا وأجهزة الإدارة والتخطيط من مسؤولياتها عن حالة التأخر التي عشناها. بالرغم من أن العدو قد استثمر هذه الأوضاع لتحقيق الكثير من التقدم والتطور العلمي والبحثي والتكنولوجي. إذا كانت هذه هي الحال، فما الذي حال دون تقدمنا بعد أن دخلنا في اتفاقية سلام وأنهينا حالة الحرب والصراع؟ هل هو عجز في الإدارة؟ أم بعثرة الموارد؟ أم غياب الأهداف؟ أم تحميل المسؤولية لمن لا يقوون على النهوض بها؟
لا أظن أن مشاكلنا خافية على أحد. فالكل يعرف أننا نحتاج الى مياه أكثر مما هو متوفر وأن لدينا شحا في الموارد وأن في بلدنا سكانا أكثر من الطاقة الاستيعابية وما هو متاح من مواردها. والأردنيون يعرفون أن الهوية مفتوحة على كل الاحتمالات؛ أي أنها لم تتشكل بصورة نهائية، فيمكن أن تتسع لتشمل البشرية، ويمكن أن تضيق للحدود التي يراها من يصنعون القرار.
الكثير منا يستغرب الأوضاع التي نمر بها، لكننا نعرفها وتعايشنا معها لسنوات، فالأزمات والتعاطي معها سمة أردنية، وفي كل مرحلة يصح القول لأننا نمر في ظروف صعبة ومنعطف خطير. البطالة والفقر والدين العام وعجز الموازنة وتراجع مستوى الأداء والتباين الكبير بين القول والفعل وإطلاق الشعارات والوعود التي لا تتحقق سمات اعتاد عليها الجميع وأصبحت من مظاهر الفضاء الإعلامي والسياسي في البلاد.
شعبية الحكومات والمجالس النيابية في أدنى مستوياتها، والناس يتداولون الكثير من القصص والروايات عن المخالفات والصفقات والتنفيعات التي تحدث من وقت لآخر. المدهش أن في البلاد منظومتين تسيران بشكل متواز لكل منهما منطلقاتها وأهدافها وجمهورها، فهناك المنظومة الرسمية التي تقول لنفسها عن نفسها إنها تعمل وتنجز وتحقق النجاح تلو الآخر، وفي المقابل هناك مسار شعبي جماهيري غير منظم، لكنه متناغم في خطابه وأفكاره وانطباعاته يتبنى منهج الشك والاتهام ويشعر بالمظلومية والخذلان، ويحاول البحث عن الخلاص بطرق ووصفات لا تتماشى ولا تنسجم مع الوعود والخطط والبرامج الرسمية والمعلن عنها.
اليوم يصعب الاستمرار في إعادة تعريف المعرف وتشخيص الأوضاع التي يعرفها الجميع وافتراض أن الناس غير مدركين المشكلات والتحديات وأبعادها وآثارها... المطلوب تجاوز التشخيص والتوجه للعمل ضمن مؤشرات ومعايير يشارك فيها الجميع وتحظى بتأييد وقبول ودعم الجماهير.

التعليق