علاء الدين أبو زينة

فلنتحمل مسؤولياتنا عن مجازر السير..!

تم نشره في الأربعاء 25 نيسان / أبريل 2018. 11:06 مـساءً


المزيد أيضاً من الضحايا أزهقت أرواحهم حوادث السير هذا الأسبوع. وقد تعبنا في الحقيقة من الشكوى والتنبيه من تفاقم هذه الظاهرة التي تحصد من الأرواح أكثر من بعض الحروب الأهلية. ومن السيئ بما يكفي أن يتحسب المرء كثيراً قبل الاجتراء على القيام برحلة بين المدن الأردنية خوفاً من الاحتمالات العالية للتعرض لحادث قاتل أو معيق –ناهيك عن القلق اليومي من غوائل الشوارع الداخلية في المدن. بل إن المخاطر لا تقل كثيراً عند استعمال وسائل النقل الأخرى، مثل الحافلات مثلاً، لأنها ليست في منجى من الحوادث أيضاً.
العوامل التي تتضافر لتعميق مخاطر السير على الطرق كثيرة. هناك رداءة الطريق، وغياب اللوجستيات مثل الإنارة والخطوط والتعبيد الجيد والأطاريف وأماكن التوقف والشواخص والعاكسات. وهناك الخلل المزمن في سبل الضبط والرقابة وإلزام مستخدمي الطرق باحترام القواعد والقانون. وهناك العامل البشري الذاتي المتعلق بطريقة استخدام الطريق، من تجاوز السرعات المحددة، إلى التجاوز الخاطئ وضرب القوانين والأخلاقيات بعُرض الحائط.
في الحقيقة، ينبغي الاعتراف بأن العامل الذاتي المتعلق بتعامل الفرد مع الطريق هو الأهم من كل شيء. ففي نهاية المطاف، يبقى الطريق عنصراً أصمّ بلا خيار، بينما الإنسان الذي يفترض أن يكون عاقلاً وصاحب إرادة هو المطالب بالتكيف مع الموجود –ولو أن ذلك لا يعفي منشئ الطريق والمسؤول عن صلاحيته. فإذا كان الطريق وعراً ومعتماً أو فيه إصلاحات أو كثير المنعطفات، فهذه كلها أسباب لتوخي المزيد من الحذر والتكيف مع الظروف. وإذا لم تكن على الطريق دوريات وكاميرات، فإن سلامة النفس والآخرين سبب أكثر من كافٍ ليكون السائق هو الرقيب والضابط. وكما لا تريد أن يهدد غيرُك سلامتك وسلامة أولادك برعونته، فإنك لا ينبغي أن تفعل ذلك بالضبط مع الآخرين وأولادهم.
ما من بلد يخلو تماماً من حوادث السير. فالطائشون ضائعو الصواب في كل مكان. وأحياناً تغدر المركبة بصاحبها بعطل أو تتآمر عليه أحوال طبيعية خارجة عن الإرادة. لكن الحصيلة غير الطبيعية لحوادث السير لدينا تتعلق بنا وباختياراتنا نحن بكل وضوح. وهناك الذين لا يتقون الله ولا يراعون إلاً ولا ذمة في أنفسهم ومواطنيهم، لا لشيء سوى ضِعة الأخلاق وازدراء كل معيار للحس السليم. ولا يخلو من المسؤولية عن أرواح الضحايا كل صاحب صلة، من المشرف على تصميم الطريق إلى المتعهد الذي ينفذه إلى المتهاون في اللوجستيات وضمان سلامة المستخدمين بأقصى ما يمكن.
أصبحت الشوارع في بلدنا فوضى كاملة. وسيخبرك الكثير من الزوار أنهم لا يجرؤون على السياقة في شوارع يتدافع فيها السواقون بالمناكب، ويعبر الماشي الشارع من فوق نفق المشاة أو من تحت جسر العبور. وفوق ذلك، لا مسارب للحافلات والشاحنات، ولا خطوط تبين لك المسار، ولا مسارب خدمات لسيارات الإسعاف والإطفاء، ولا التزام بإشارة مرور أو إشارة منع. ومع أن كل ذلك أدعى إلى بذل جهد إضافي للتخفيف من عواقب هذه العيوب، يُكثر الناس من التجاوزات ليجعلوا السيئ أصلاً أكثر سوءاً. ولن تعدم في كل شارع واحداً أوقف سيارته في عرض الطريق ولو توفر موقف على بعد أمتار، وأغلق السير وكأن الشارع ملك أبيه. ولن تمر بإشارة دون أن يتجاوز عن يمينك وقحون يقتحمون مسربك عند آخر لحظة ليلتحقوا بالإشارة الخضراء قبلك ويتركوك خلفهم، لمجرد أنك التزمت بالقواعد.
وعلى الطرق الخارجية أيضاً، يطير بعض سائقي الشاحنات والحافلات بسرعات انتحارية ويتجاوزونك حيث لا يجب. وليس من النادر أن تقفز على أحد سيارة من فوق الجزيرة الوسطية أو من فوق جسر. وحتى إذا عقلتَ وتوكلتَ واسترشدت بالعقل والقانون، فإنك لا تسلم من طيش الكثيرين –أكثر كثيراً من اللازم- ممن يزدرون حذرك ويستهزئون باحتياطاتك ويهددون سلامتك!
من الصعب تصوُّر أن يكون لدينا هذا العدد الكبير من الناس الذين يتنصلون من المسؤولية عن تهديد أرواحهم وأرواح مواطنيهم، ويجعلون من مجرد التنقل مغامرة محفوفة بالخطر. ربما يكون المتسبب بحادث اليوم ضحية لحادث غداً –هو أو ابنه أو أخوه. وما لم يبدأ كل منا بتحمل مسؤوليته الأخلاقية بنزاهة ووعي، فإن أي حلول أو إجراءات أو قوانين لن تنقذنا من بلاء الطريق.

التعليق