علاء الدين أبو زينة

العيش برُبع الحقيقة..!

تم نشره في السبت 28 نيسان / أبريل 2018. 11:08 مـساءً

تقدَّم الأردن 6 مراتب على مؤشر حرية الصحافة الذي تنشره منظمة "مراسلون بلا حدود" سنوياً، ليحتل هذا العام المرتبة 132 من بين 180 بلداً. وكما هو واضح، فإن "علامة النجاح" على هذا المؤشر هي 90 -إذا قسمنا مجموع البلدان المشمولة في المؤشر على اثنين. ومع أن التقدم في المرتبة محمود، إلا أن الحقيقة هي أنه يبقى تحركاً في منطقة السالب. وفي الأساس، سوف يبقى عمل هذا المؤشر بلا معنى إذا لم يستفد كل بلد منه على حِدة، ويستطيع أن يكتشف فيه منجزه -أو عدمه- في المجال المعنيّ. ولا يكفي في الحقيقة الاحتفاء بالتقدم 6 مراتب وإبرازه وحده كخبر سعيد، أو الحديث عن أن دولاً تُعد ديمقراطية سجلت علامات منخفضة في مؤشر حرية الصحافة، على قاعدة أننا "لسنا وحدنا". لا ينبغي أن يكون هذا هو الطموح.
أتصور أن التغطية الموجزة والانتقائية لخبر مؤشر "مراسلون بلا حدود" تعبر عن عدم رغبة في التعامل بموضوعية، وتجسد قصة النعامة والرمل إياها. ففي الجزء الخاص بالأردن، يحتوي التقرير على فقرة موجزة تجمل الأسباب التي تجعل حرية التعبير في الأردن تحتل هذه المرتبة. ومحتواها ليس سراً بطبيعة الحال ومتاح على الإنترنت. وسوف يتمكن المهتم بالاطلاع على ذلك المحتوى من تقدير أين أخطأ وأين أصاب من واقع الخبرة المباشرة والمعايشة. وفي عنوان الفقرة، كتب معدو المؤشر عن حرية التعبير في الأردن: "ليست حرة كثيراً" Not very free.
بشكل أساسي، يتعلق المؤشر بمدى حرية الإعلاميين المِهنيين، لكنه يشمل أيضاً ما يسمى "المواطن الصحفي" الذي ينشر مواد في الصحف الإلكترونية أو مواقع الشبكات الاجتماعية، حسب المؤشر. وفي الحقيقة، يصعب أن تكون حرية المواطن مضمونة إذا لم يتم ضمان حرية الصحفي. ففي نهاية المطاف، يُفترض أن يمتلك الصحفيون الأدوات والتفويض للوصول إلى ما لا يصله المواطن، وتعريفه بما لا يعرف والتوسط في إيصال صوته. وبالإضافة إلى المهنية والتدريب، تمتلك الصحافة بمختلف أشكالها المنصات التي يمكن أن تنشر منها المعلومات والحقائق -أو عكس الحقائق أحياناً.
وفق أي تعريف، يعمل الإعلام -مثل أي قطاع وطني آخر- لخدمة المصلحة العامة كجزء لا غنى عنه لأي مشروع. وحيث يوجد تعبير حُر وصحافة حرة، فإن ذلك يعني أنه ليس هناك الكثير مما يخافه أي طرف. وإذا كان المفهوم السائد هو أن الحريّة تُنتقَص خوفاً من استخدامها بطريقة غير مسؤولة، فإن التصنيف غير الجيد على مؤشرات حرية الصحافة سيعني أن الثقة غائبة عن النظرة إلى مسؤولية الإعلاميين -والمواطنين إذا كان ذلك يهُم- وأهليتهم لتقدير المصلحة العامة، ولذلك يتوجب ضبطهم وتضييق حيزهم.
إذا كان هناك ما يستوجب الشك في أهلية الصحافة والمواطن للحرية، فإن ذلك يكشف عن خلل جوهري في تكوين العلاقات والتفاعلات. ولا يعني عدم الإفصاح عن المعلومة أو الفكرة أنها غير موجودة، بقدر ما يعني خداع الذات الجمعية. ولم تكن الصراحة والمكاشفة ضمن المفاهيم المذمومة -إلا في سياقات مشروطة جداً. ولذلك، تمارس الصحافة الحرة المسؤولة دور صمام الأمان والرقيب المتيقظ المؤهل لكشف الاختلالات والمساعدة على التقدم. وكما يُظهر مؤشر "مراسلون" فإن المسألة لا علاقة لها بالغنى والفقر، لأن بعضاً من أغنى الدول وأقواها تقع ضمن تصنيف غير الحرة. وإنما تتعلق المسألة بكيفية تصور المشروع الوطني وبنود العقد الاجتماعي وحصة الأطراف فيه ودليله الهادي: الثقة والترابط، أم الشك والانفصال.
يعني العمل في الصحافة على أساس ترتيب 132 من أصل 180، أن المساحة المتاحة لحرية الإعلامي لا تتجاوز 43 من 180؛ أي ما يقترب من 26 في المائة من الممكن. ويعني ذلك تحقيق هذه النسبة الصغيرة من الإمكانيات الكاملة على أبعد تقدير. وبذلك، يكون الإعلامي خلال وقت ممارسته عمله إنساناً غير حر إلى حد بعيد. وهو مضطر إلى إخفاء الكثير مما يعرف، أو اختصار الطريق والكف عن محاولة استكشاف ثلاثة أرباع ما يمكن أن يكتشف. وإذا كانت حرية الإعلام تصلح مقياساً للحرية بشكل عام، فإن هذه النسب تقتضي بعض التوقف لتقدير الموقف، وليس المرور بالمسألة وكأنها لم تكُن.

التعليق