إبراهيم غرايبة

إنسان المعرفة

تم نشره في الأربعاء 2 أيار / مايو 2018. 11:07 مـساءً


يعيد إنسان المعرفة، بفرديته وإمكاناته الجديدة في المعرفة والعمل، وقدراته على العمل بنفسه تعريف الموارد والقيم والمهن والأعمال. وتتغير تبعاً لذلك المدن والمجتمعات، وعلاقتها بالأفراد والدولة والسوق. ففي مدن الأفراد القادرين على العمل بأنفسهم ولأنفسهم، والذين لم يعودوا في مواردهم يرتبطون بمؤسسات عمل محددة، وأنظمة عمل تقليدية، يتغير تخطيط المدن والطرق والبيوت، وتتغير، أيضاً، العلاقة مع السلطات والأسواق… إنها مدن ومجتمعات أقرب إلى الاستقلالية والقدرة على تنظيم احتياجاتها وأولوياتها أو معظمها، بلا حاجة كبيرة إلى السلطة المركزية، فتصعد أنظمة الحكم المحلي واللامركزية، ويدبر الأفراد وأهل المدن معظم احتياجاتهم وخدماتهم الأساسية، ما يجعلهم أكثر ولاية على أنفسهم واحتياجاتهم وخدماتهم، ويصبح للديمقراطية والحريات محتوى ومعنى جديدان ومختلفان.
وبطبيعة الحال يفترض أيضا أن ينشأ خطاب إصلاحي جديد مستمد من التشكل الحضاري والاجتماعي المصاحب لهذه الموارد والتقنيات، فكما نشأت فلسفة وأفكار مصاحبة للاقتصاد الصناعي يتوقع/ يجب أن تنشأ أفكار وفلسفات "شبكية"، وأن يستمد منها خطاب إصلاحي.
تبدو التقنيات والموارد واضحة ومجمعاً عليها، لكن التشكل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي ليس واضحاً ولا حتمياً أو تلقائياً، وفي ذلك فإن الخطاب الإصلاحي يجتهد بالاستجابة للمرحلة "الشبكية/ المعرفية" ببناء منظومة فكرية وفلسفية يستمد منها برامج وأفكارا واتجاهات في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية والسياسية والقيم والثقافة والمدن، .. إنها عمليات تكتنفها صعوبة الانقطاع عن الماضي "الصناعي" وغموض التشكل والاتجاهات، فما زلنا في مرحلة انتقالية من الصناعة إلى الشبكية/ ما بعد الصناعة، وهي مرحلة مليئة بالخوف وعدم اليقين والتغير المستمر، لكن يمكن تقدير اتجاهات ومبادئ للتفكير والاستشراف والحكمة!
والشبكية نفسها تتحول إلى فلسفةٍ في الحياة والإدارة والتعليم والسياسة والثقافة، بديلة للهرمية القائمة، أو التي كانت قائمة، فالناس، في تعاملهم الشامل مع الشبكات، للتعليم والتواصل والاتصال والعمل والتشاور والحصول على المعلومات والمعارف وتبادل الآراء والخبرات والمعارف، وتحويل وتلقي المال والخدمات والسلع، يستبدلون بنظامهم الهرمي التاريخي في الحياة نظاما شبكياً قائماً على المساواة والمشاركة المتحققة فنياً.
كيف تساعد تكنولوجيا المعرفة في التأثير على السياسة العامة، وتدفع بها باتجاه الإصلاح؟ كيف تساعد في تغيير علاقات القوة والإنتاج في المجتمع والدولة، ومن ثم كيف تنشئ قيادات اجتماعية واقتصادية وطبقات ومصالح جديدة؟ ثم كيف تنظم هذه الطبقة الجديدة مصالحها وأدواتها في التأثير والتغيير؟ كيف ينشئ الإصلاحيون بالتكنولوجيا الجديدة فرصاً وموارد وأسواقاً وأعمالاً جديدة، تنشئ موارد مستقلة لهم، ولقواعدهم الاجتماعية؟ هم بذلك فقط ينشئون علاقات قوة وتأثير جديدة وبديلة تحرك الأسواق والمجتمعات، بعيداً عن الاحتكار والامتيازات التي ترفل فيها النخبة المهيمنة، ويجبرونها على المشاركة في الإصلاح والتنافس العادل، أو يخرجونها من التأثير. ويضعونها في مواجهة الانقراض والفناء. وببساطة، وعلى نحو عملي، يجعلون قواعد الدخول إلى النخبة (النخب تعني قيادة المؤسسات والأعمال والقطاعات) والخروج منها على قاعدة "البقاء للأصلح"، وفي هذه القاعدة يكون الإصلاح

التعليق