الأيديولوجيا والأخلاق

تم نشره في الخميس 3 أيار / مايو 2018. 11:00 مـساءً

د. هاشم غرايبة

الأيديولوجيا هي النسق الكلي لـلأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة. وهي تساعد على تفسير الفعل الواقعي للأفراد والجماعات وتوجيهه.
وجد المفكرون الرافضون للدين الحاجة الى هذا الجانب من حياة الناس، كبديل له بعد أن وجدوا أن السلطة والقانون لا يكفيان لضبط السلوك البشري وتوجيهه، فلا شيء يضاهي المعتقد في ذلك.
لما كان المرتكز الأساسي هو الإيمان بصحة المعتقد، فقد كانت تلك متوفرة في الدين، لأنه مبني على الاعتقاد بوجود الله كقوة مسيطرة عليمة بخفايا النوايا والأفعال، وفوق ذلك مبدأ الحساب عليها، لذلك فالالتزام بما يتطلبه ذلك المعتقد يكون في أقوى صورة، لكن الأفكار البشرية البديلة كفكرة الشيوعية والرأسمالية والديمقراطية والكونفوشيوسية والبوذية...الخ، ليس لها ذلك الضابط الداخلي، بل تعتمد على القناعات الفردية التي غالبا ما تتغلب عليها المصلحة، فتتحول عادة الى مجرد شعارات يستثمرها المنتفعون من تطبيقها ويعرض عنها من لا تخدم مصلحته.
ربما كان ذلك أهم أسباب إخفاق الشيوعية عند التطبيق، فقد كانت المثالية الساذجة تحكم تفكير واضعيها، فلم يضعوا اعتباراً لأهمية الحافز والرادع، لذلك فشلت في فرضها عنوة على يد "ستالين" رغم تضحيته بخمسين مليونا، ثم سقطت نهائيا بيد "غورباتشوف" بالتجربة الاختيارية.
لذا من البديهي اعتبار أن توجيه الأنماط السلوكية (الأخلاق) وضبطها معياريا، ليس ممكنا لأي من تلك بشرية المنشأ، لأن الدين يبقى هو الأيديولوجيا الحقيقية فقط، لكن كيف الوثوق بذلك، بما أن الدين أيضا يبقى خاضعا للقناعات الفردية ومصادما للمصالح الأنانية المباشرة؟.
يمتاز الدين بأنه لا يتوقف عند الوعظ والإرشاد بل يضع القواعد الأساسية لنمط الحياة وعلاقات الناس البينية، وهذه القواعد تسمى الشريعة، والتي تعليماتها ثابتة وأحكامها مطلقة ليس فيها ظرفيات ولا حيثيات، لذا لا يفسدها الهوى ولا قدرة للمصلحة على تطويعها.
لذلك كان الدين من شقين متلازمين: التعبدي والتعاملي، لا يقبل أحدهما من دون الآخر، فالشق التعاملي هو التطبيق العملي لهذه الأيديولوجيا، والشق التعبدي هو الضابط لحسن التنفيذ.
يفسد التدين من عدم المساوقة بين الشقين، أو التفريط بأي منهما... هذا هو التفسير الوحيد لحالة فشل الدين في ضبط السلوك.
لو استعرضنا لمحة عارضة من هذه الحالة، وبلا استغراق في التفصيلات، سنجد المجتمعات الفاشلة تكون في مغرقة في الفساد أكثر، وبقدر مساوٍ لدرجة ضعف التدين التعاملي، ويزيد ذلك (ولا ينقصه) إن رافقه زيادة في التدين التعبدي.
قد يتساءل المرء عن تفسير ذلك، لكن الإجابة تكون في أنه إذا نقص الشقان معا وبالدرجة نفسها، فذلك دلالة على ضعف تمكن الدين من ذلك الشخص، والذي يؤدي الى إنقاص عدد الملتزمين بالدين، فضرر ذلك على الدين كمي جمعي في المحصلة النهائية.
أما إن كان التدين التعاملي في أدنى صوره والتعبدي في أعلى صورة فذلك فيه إفساد للمجتمع، والمفسد أبلغ ضررا من الفاسد، لأن الفاسد يضر بنفسه لكن المفسد يضر بالمجتمع لأنه يفقد الثقة بقدرة الدين على ضبط الأخلاق، ويدفع المترددين للابتعاد عنه.
إن فساد التدين التعاملي عظيم الضرر كضرر من يمزج كوبا من المياه الآسنة ببرميل من عصير البرتقال، فهو يفسده جميعا بغض النظر عن نسبة التركيز، فهما أضفت له من عصير طازج طيب (التدين التعبدي) لن يصلحه.     

التعليق