جميل النمري

نهاية حقبة

تم نشره في الجمعة 4 أيار / مايو 2018. 12:09 صباحاً


ليس المقصود الحرب ضد الإسلام من أعداء خارجيين بل الحرب داخل الإسلام وعليه، الحرب الإيديولوجية والميدانية  على الرواية الدينية بين فئات مختلفة تفترض كل واحدة أنها تمثل الدين الصحيح وتريد وضعه في السلطة، وهي حرب تنتهي عندما ينفضّ عنها الجمهور وتتضح عبثيتها النهائية.
في التاريخ ما قبل الحديث.. عندما ينتشر دين ​أو طائفة دينية ​معينة ​على نطاق واسع، يصبح كل صراع على السلطة -هو أيضا- صراعا للهيمنة على الدين، فالسلطة والعقيدة تتداخلان ويصبح الخلاف على الرواية الدينية أمرا مصيريا تراق من أجله الدماء وتزهق الأرواح، ولعل الحروب الدينية كانت من أشد الحروب ضراوة وبشاعة. هذا ما كان عليه حال أوروبا حتى معاهدة ويستفاليا التي أذنت بأفول زمن الحروب الدينية-الطائفية التي انخرطت فيها الممالك والإمارات والإقطاعيات وبداية عصر الدولة الوطنية.
لعل الأمور أخذت لدينا ضمن فترة زمنية قصيرة مسارا معاكسا في الحقبة بعد الكولونيالية؛ أي في القرن العشرين، فمع فشل الدولة الوطنية صعد المد الديني الاجتماعي والسياسي ودخلنا بصورة معاكسة للتاريخ زمن الحروب الدينية على السلطة السياسية، إقليميا ومحليا وبين الكتلتين الكبريين السنية والشيعية. وداخل كل كتلة بين الرؤى العقائدية والروايات المختلفة، وقد رأينا في أقصى المشهد الصراع على الإسلام الجهادي بين النصرة وداعش. وبافتراض أن داعش مؤامرة غربية أميركية، كما يحلو للبعض أن يعتقد، فهي استثمار في الميدان نفسه؛ ميدان الصراع على السلطة السياسية باسم الدين وانتصارا له.
أمس وأول من أمس، أدار مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، مؤتمرا إقليميا يبحث في "ما بعد الإسلام السياسي". والمؤتمر أراد ابتداء أن يبحث صحة الفرضية التي يبطنها المصطلح، وما هي تجلياتها وسماتها؟!. وقدم باحثون من مختلف البلدان أوراقا ومداخلات ثرية. ومصطلح "الإسلام السياسي" نفسه بدا إشكاليا، لكن يمكن قبوله لغايات عملية، وهي شمول كل الحركات التي نزلت للميدان السياسي والصراع على السلطة باسم الدين في العالم السني أو الشيعي.
أردنيا، الظاهرة واضحة وملموسة وغير الانشقاقات التي أجرت مراجعة جوهرية للخطاب السياسي-الديني، فداخل حزب جبهة العمل الإسلامي، ثمة حوار ومراجعة متصاعدة، وعربيا قطعت أحزاب إسلامية معروفة شوطا واسعا حتى لا نتحدث عن التحولات في البلد الأم للأصولية والسلفية المعاصرة؛ أي السعودية، وعلى جبهة أخرى أزمة حكم الملالي في إيران.
يجب أن يكون واضحا أن الأمر لا ينسحب على ظاهرة "التدين" الذي يستمر قويا ولا ينحسر بالتوازي مع انحسار نفوذ الأحزاب أو القوى السياسية الدينية، بل إن أزمة تلك الأحزاب في أحد مظاهرها هو انفكاك الارتباط -نسبيا- بين التدين والولاء لقوى سياسية دينية. وهذا موضوع يحتاج بذاته الى تمحيص وتقصّ أكثر من الأحكام الانطباعية التي نبديها هنا، مع العلم أن التدين بالعادة هو المدخل الأولي للانحياز السياسي التدريجي لأحزاب دينية ليصل في بعض الحالات للالتحاق بتنظيمات التطرف والإرهاب، كما توضح ذلك الدراسة المميزة للباحثين د. موسى شتيوي ود. محمد أبو رمان، في كتابهما عن سيرة الجهاديين الأردنيين الذين التحقوا بداعش والنصرة، وهي مع أمور أخرى تجلي الغموض الذي أحاط بداعش الذي هو المولود الأخير لمسلسل الانتقال الى أقصى التطرف في بعض اتجاهات الإسلام السياسي. ولعل قوى إقليمية أو دولية دعمت هذا الكيان ضمن أجندتها وتكتيكها في الصراع الدائر، وهذا ممكن وليس بجديد، فقد حدث طولا وعرضا مع الجهاد الأفغاني.

التعليق