علاء الدين أبو زينة

أحوال المسنين: من يجرؤ على الحديث..؟!

تم نشره في السبت 5 أيار / مايو 2018. 11:08 مـساءً

دورة الحياة لا تتوقف. الصغير يكبر، والشاب يكتهل، والكهل يشيخ ويهزل، ويرحل. ومع كل من هذه الأطوار يتبدل كل شيء، من الوعي إلى الطاقة إلى المشاعر والتوقعات والإمكانات. لكن الجميع يشتركون عند مرحلة معينة في همٍّ سرّي لا يرغبون بالإفصاح عنه ومناقشته -على الرغم من حتميته: ماذا وكيف ستكون حياة الفرد في شيخوخته: مادياً وعاطفياً وإنسانياً؟.
الاتجاهات مقلقة -على الصعيد الفردي وليس المجتمعي والحكومي على ما يبدو- لأن الظروف الاجتماعية والأخلاقية وأنماط الحياة تغيرت بحدة، ولم يصاحبها أي انتباه جاد وعملي وصريح لمشكلة المسنين في المجتمعات العربية. في السابق، كانت للحياة الريفية في معظمها -بل وحتى المدنية- بعض السمات التي تكفل للآباء والأمهات المسنين نوعاً من الأمن والحياة الكريمة في سنيِّ شيخوختهم.
كانت العائلة الممتدة وظروف العمل في القرى، وكذلك الأعراف الاجتماعية والأخلاقيات الدينية، تخدم. الأبناء قريبون ويعملون غالباً معاً وبمهنة حرة -مثل الزراعة- ولديهم وقت يخصصونه لمسني العائلة. والأحفاد كثيرون في المنزل، ويأخذون احترام الكبير كواجب عادي. والزوجات يعلمن أن العناية بوالد الزوج ووالدته جزء من العقد الاجتماعي. وبالإضافة إلى الاحترام المغروس بالتربية والتأثر بالمناخ الاجتماعي السائد، كان التقارب بين العائلات واطلاعها على أحوال بعضها بعضا يجعل من المعيب أن لا يفي المرء بحق والديه، وإلا ازدراه جيرانه وأقاربه -أو ربما قاطعوه.
الكثير تغير. في المجتمعات المدنية أصبحت الزوجة تعمل قبل الزوج. ولم تعد العائلة ممتدة بحيث يتقاسم الأفراد الكثر العناية بالكبار. والرقابة الاجتماعية قلت كثيراً بسبب ضعف الصلات وعدم معرفة الجار بما يجري خلف حائط جاره -أو حتى التأثير إذا عرف. والظروف أصعب من إمكانية استقدام خادم أو ممرض للمسن. وقيم الاحترام والأعراف أو الوازع الديني اختلفت ولم يعد لها مقياس جامع. وحتى كلف العلاج وبقية الحاجيات للمسنين أصبحت ثقيلة، تخدِّر العاطفة. والأحفاد تغيرت اتجاهاتهم، واختلفت مفاهيم الحيز، خاصة عندما أصبح قدوم الأب والأم والجد والجدة إلى بيت الابن -والابنة- يعني إعادة لتوزيع الحيز بعد أن لم يعد الأبناء يتزوجون ويعيشون في بيت العائلة مثل السابق. وثمة الكثير من التفاصيل التي نعرفها ونشاهدها وندعي عدم المعرفة ولا نحب مناقشتها.
في المجتمعات المدنية الأخرى في العالم، أصبح التعامل مع هذه المسألة جزءاً من النظام، بحيث لا نسمع كثيراً عن مشاكل تخص المسنين. هناك نوع من الضمان الاجتماعي لهؤلاء المواطنين الذين خدموا وتقاعدوا ويستحقون شيخوخة مريحة، سواء بالتغطية المالية أو إنشاء دور المسنين المؤهلة التي تتعامل بإنسانية ووفق معايير معروفة. كما حل نوع من الترتيبات الجديدة من حيث الأعراف والأخلاقيات والمقبول والمرفوض، منسجمة مع التغيرات في أنماط الإنتاج والعيش والنفسية الاجتماعية. وفي المقابل، تتعامى مجتمعاتنا عن هؤلاء الذين هم نحن في نهاية المطاف، وتتظاهر باطمئنان زائف، بينما يدفع الكثير من المسنين الثمن الهائل المصاحب للشعور بأنهم مهملون، أو يشكلون عبئاً وفائضون، أو يعيشون مع خيبة الأمل المهينة عندما يقصر في حقهم الأبناء، ويتجاهلهم الأحفاد، وتضيق بهم زوجة الابن وزوج الابنة.
بالرغم من كل الخطاب الذي نسمعه من الجميع تقريباً عن بر الوالدين، فإن هذا البر يتعطل في كثير من الأحيان، ولأسباب ربما لا تتعلق بالعاطفة بقدر ما تتعلق بالقدرة والظروف. وباستثناء أولئك الذين يرحلون واقفين، فإن لحظة تأتي عندما يضعف القوي ويقعد السائر، ولا يعود قادراً على خدمة نفسه. لكننا لسنا صريحين إزاء توصيف كيف يعيش هؤلاء إذا لم يكن الزوج والزوجة وأفراد العائلة متوافقين بنسبة كبيرة على ما يجب. وكلنا يعرف قصصاً، وكلنا يريد أن ينساها ويؤجل الفكرة كلها ما أمكن.
ما يزال إرسال المسنين إلى دور الرعاية غير مقبول اجتماعياً. وفي الحقيقة، ليست هناك دور مسنين عامة مؤهلة بشكل مطمئن لتوفير حياة كريمة لنزلائها. ذلك مع أن العيش في دار للمسنين ربما يكون في بعض الحالات أكرم ألف مرة من الظروف التي يعيشونها في ضيافة أقاربهم، وأكثر إنسانية. وقد يدفع المسنّ ثمن التظاهر الاجتماعي والزيف وغالباً ما لا يكون صاحب قرار حول البديل. فهل تفكر الدولة والمجتمع في المسألة بصراحة وجدية ويتخليان عن التظاهر الزائف؟

التعليق