"إن الله يغفر الذنوب جميعا"

تم نشره في الخميس 10 أيار / مايو 2018. 11:10 مـساءً

د. محمد المجالي

خلق الله سبحانه الإنسان مكلَّفا مختارا، فقد هداه طريقيْ الخير والشر، وأعطاه العقل الذي به يدرك، وأرسل له الرسل وأنزل الكتب، كل ذلك ليقيم عليه الحجة فيما أمر ونهى، ووعد على ذلك ثوابا إن هو أطاع، وعقابا إن هو أساء. ومع ذلك فإنه تعالى يعلم طبيعة الإنسان، فهو -مع تكريمه- عجول جهول ضعيف مجادِل، والنفس أمّارة بالسوء، ولأننا هكذا بهذه الصفات السلبية فنحن عرضة للخطأ، ولا كمال إلا لله تعالى، ولهذا منح الإنسان فرصا للتوبة والإنابة والاستغفار، فلا يأخذ اللهُ نفس العبد بغتة بدون أن يمنحه فرصَ التوبة، وإن مات فجأة، فهو يعلم أن الله سبحانه قد منحه الفرصة تلو الفرصة، وهذا من رحمته تعالى للعبد، فمن الناس من ينيب ويعترف ويلجأ إلى الله، ومنهم من يبقى في غيّه وتيهه، يسوِّف في شأن التوبة، ويبقى مصرا على ذنبه، ويغتر بما آتاه الله من قوة وصحة، وربما تعاجله المنية وهو على حالته السيئة هذه، لأنه تكبّر على الله ولم يلبّ نداءه.
نحن في هذه الدنيا غرباء، عابرو سبيل، فدارنا مؤقَّتة لا نعيش فيها إلا سنين معدودة، ووعد الله بأن الدار الآخرة هي دار القرار، فالدنيا ممر والآخرة مقر، إما جنة أو نار، فمن هنا نعرف العاقل من غيره، فلا يمكن لعاقل أن يبيع آخرته ويشتري دنيا زائلة، مهما بلغ نعيمها ففيها منغِّصات كثيرة، ولا تصفو لأحد أبدا، ولا تستقر على حال، فهي علامات كثيرة تدعو الإنسان لأن يبصر حقيقة الدنيا وزوالها، وكيف نستغلها لتكون وسيلة إلى الجنة، بالعمل الصالح والاستقامة، ونعمّرها بما يرضي الله تعالى، فهي ليست كلها شرا لنطلّقها ونفهم الزهد فهما خاطئا فيها، بل نكون فيها أقوياء، نستمتع بما آتانا الله فيها، وننشر دين الله الحق القائم على عبادته وحده لا شريك له.
ليس عبثا أن يفتتح الله كتابه باسميْ: الرحمن الرحيم، كلاهما صيغة مبالغة للدلالة على عظم هذه الرحمة وكثرتها، جاء الاسمان في البسملة، وبعدها بآيتين يتكرر الاسمان: "الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم"، هي رسالة واضحة أنه دين الرحمة، مبادئه وتشريعاته وغاياته ومآلاته رحمة، حتى ما يبدو فيه قاسيا (كالعقوبات مثلا) فهو رحمة للمجتمع عموما، وهكذا، فعلى المسلم أن يتحلى بمبدأ الرحمة، ويعيشه واقعا في حياته، فهو نفسه مهما بلغ من التقى والغنى والعلم والصحة عرضة لزوال هذه النعم، وبحاجة إلى من يرحمه، ويقيل عثرته، فالقاعدة المطلوبة هي: عامِل كما تحب أن تعامَل.
هذا في ميدان البشر، أما الله تعالى فهو الكامل في أسمائه وصفاته، يستشعر المؤمن حقيقتها في تعامله معه، فهي ليست مجرد أسماء بلا أفعال، فهي حق كلها، فأستشعر أنه يسمعني، ويبصرني، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو جبار منتقم، وهو لطيف ودود، وهو رحمن رحيم، وهو غني حميد، وهو حكيم عليم، وهكذا، وهنا أركّز على سعة رحمته بعباده ولطفه بهم، فقد قال، وهو أصدق القائلين: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه إنها أرجى آية في القرآن، تدل دلالة واضحة أنه تعالى يغفر للعبد كل ذنوبه، ولفظ (جميع) من ألفاظ العموم، فهو سبحانه يغفر كل ذنب اقترفته أيها الإنسان، عظُم أو صغر، تعدّى ضرره أو اقتصر عليك، فالمطلوب الإنابة الحقيقية إلى الله تعالى ليس إلا.
ولذلك فقد أتبع الله هذه الآية بقوله: "وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تُنصَرون. واتبعوا أحسن ما أُنزِل إليكم من ربكم، من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون"، فحتى يغفر الله الذنوب جميعا لا بد من إنابة وتوبة حقيقية، فيها الندم على ما فات، والإقلاع عن المعصية في الحال، والعزم على ألا أعود إليه في المستقبل، فالتوبة تشمل الزمان كله، ماضيا وحالا ومستقبلا، لتصفو النفس مع خالقها، وترتاح من علائق لطالما أثقلت ظهر الإنسان وشوّشت عليه فكره، ونغّصت عليه حياته، فهو بالمعصية مُحْتقَر تستعيذ منه الخلائق كلها، منبوذ إلا عند أمثاله من أهل الشقاء، فليخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وليعش مكرّما في طاعته لله تعالى، المُستحِق وحده للعبادة والخضوع والاستسلام.
إذا، يطلب منا ربنا أن ننيب إليه ونسلم له من قبل أن تحل بنا العقوبة، وسبيل هذه الإنابة والاستمرار عليه هو باتباع أحسن ما أنزله الله، وهو القرآن، وهنا يأتي التحذير بصيغة أشد، حين يأتي العذاب بغتة والإنسان غير شاعر به. وينتقل السياق نفسه ليقول الله تعالى: "أنْ تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله، وإن كنت لمن الساخرين، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّة فأكون من المحسنين"، فالله سبحانه هنا يبين حال الإنسان بعد الخسارة كيف يلوم نفسه ويتمنى، فقد كان من الساخرين، يعيش بلهو ولعب، بل يعاتب الله أنْ لو هداني، ولطالما ذكّره المذكرون ونصحه الناصحون، أو يتمنى أن يعود ليكون من المحسنين، فلمَ هذا الموقف وبإمكان أحدنا أن ينجو من الآن، ويعيش مطمئنا في كنف الرحمن سبحانه؟
ولذلك يستمر السياق في إبراز الحقيقة، فيقول الله: "بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين، ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة، أليس في جهنم مثوى للمتكبّرين؟ وينجّي الله الذين اتقوا بمفازتهم، لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون".
إنه رمضان شهر النفحات والرحمات، فلنستعد له، ولتكن لنا وقفة مع أنفسنا لمراجعة كل شيء، حتى من يظن نفسه على الصراط المستقيم، فالذنوب كثيرة، والشوائب وغبار المعاصي حجبا الرؤية الحقيقية، وأنت أيها العاصي التائه، أنت أدرى بنفسك، فإلى متى العناد والكبر، وأنت ترى آيات الله في النفس والكون تدلك على الله العظيم، عجّل بالإنابة قبل فوات الأوان، فالله يدعوك ليغفر لك، يبسط يده لتتوب إليه، فكن من التوابين، همّك هو إرضاء الله ليس إلا، فكن مع الله ولا تبالي.

التعليق