إبراهيم غرايبة

المقدس الممتد إلى الإنساني والمغيب عن مجاله في الضمير والنزاهة

تم نشره في الأربعاء 16 أيار / مايو 2018. 11:06 مـساءً

يكفي النظر إلى برنامج (مختلف عليه) في فضائية «الحرة»، لملاحظة كيف صار يكفي العداء للجماعات لتبرير البلطجة الإعلامية والسياسية والشخصية وجمع الإتاوات من الحكومات والتسول من المنظمات الدولية، حتى لو كان هؤلاء المعادون لا يقدرون على العدّ من واحد إلى تسعة، يكفيهم العداء وسوء الخلق ونقص اللياقة للتقدم لدى الحكومات والمؤسسات الإعلامية الدولية، وبعد ذلك لا يلتفت أحد إلى ما تنشئه اليوم الحالة الدينية في التعليم والإعلام والسياسة والأسواق والإنتاج عدا عن الحريات والتنمية. ثم أين نقف من العالم؟ وبماذا نشارك فيه؟ وإلى أي حد يتقبلنا ونتقبله؟ فقد نصير، نحن العرب، عبئاً على أنفسنا وعلى العالم أيضاً، وربما أسوأ من ذلك كله وقوعنا في التقديس لكل ما هو غير مقدس، ونزع القداسة عن المقدس، ففي حين يزحف المقدس إلى التاريخ والأشخاص والفروع والرموز والطقوس، لا يلتفت إلى قداسة الضمير والنزاهة والثقة والإتقان والإنتاج والعمل والتعاون، إذ تهب الجموع من كل تيار وانتماء للدفاع عما تحسبه مقدساً، وفي ذلك ترتكب كل الأخطاء والنواهي التي يؤكد المقدس حرمتها وتنتهك كل القيم التي يؤكد المقدس قيمتها! ثم لا يعود أحد يعرف كيف يميز بين المقدس والمدنس!
تظهر الدراسة التي نفذتها مؤسسة «مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث»، عن الحالة الدينية المعاصرة في مصر (2010 – 2014)، أن الدين في الحياة العربية المعاصرة يأخذ أبعاداً وعلائق تتصل بكل مكونات الأمة (الدولة والمجتمعات والسوق والأفراد) وأن فهم الحالة والظواهر الدينية صار يتصل بجوانب موضوعية وعلمية أكبر بكثير من اللاهوت (بمعنى المحتوى والنص الديني)، لكنه يتصل أيضاً بالثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتاريخ وعلم النفس واللغة والأنثروبولوجيا، وأنه يؤثر في كل مناحي المؤسسات والسلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية كما الأسواق والسلوك الاجتماعي والثقافي والتصورات الفردية للحياة والكون والمعنى والوجود، ويكاد يشكل جوهر الوعي العربي للذات.
تقرير مؤسسة «مؤمنون بلا حدود» عمل رائد لفهم الحالة الدينية بأكبر قدر ممكن من المعرفة الميدانية والفهم الشامل للظاهرة في سياقاتها المتعددة؛ المذاهب والمؤسسات الدينية الرسمية، والطوائف والمذاهب الدينية التي لا تنتمي إليها الغالبية، والتكوينات الدينية الأهلية ذات الطبيعة الدينية مثل الجماعات والطرق الصوفية، والجماعات والأحزاب التقليدية مثل «الإخوان المسلمين» والسلفيين، والتشكلات الدينية في النقابات وفي العمل الاجتماعي، والقوى الدينية في الأسواق والإعلام والاقتصاد وفي السياسة والحكم والقضاء والتشريع والعلاقات الدولية، كما الثقافة والرموز والطقوس.
يظهر استطلاع الرأي الذي أجرته المؤسسة الناشرة للتقرير أن 80 في المائة من المسلمين و65 في المائة من المسيحيين يؤدون الصلوات بانتظام، وأن 3 في المائة فقط يعتبرون الصلاة شأناً شخصياً ليس موضوعاً للسؤال والجواب، بمعنى أن الباقين ممن لا يصلون بانتظام أو لا يصلون أبداً يتخذون موقفاً يشكل جزءاً من الظاهرة والحالة الدينية القائمة ربما لا يختلف عن المتدينين!
وصار من نافلة القول إن الظاهرة الدينية لا تقتصر على جماعات الإسلام السياسي، وأن تحدياتها لا تقف عند الصراع مع الجماعات والمتطرفين والمسلحين باسم الله، وسوف يكون هدراً ونزفاً للوقت والموارد والجهود أن يقتصر فهم الظاهرة على الجماعات الدينية السياسية. وأسوأ من ذلك أن قصة مواجهة التطرف والإرهاب صارت تتحول أيضاً إلى فساد وتطرف وإرهاب يقوده سياسيون ومقاولون إعلاميون يتقدمون في المنصات والفضاء بعدائيتهم الشخصية والعنجهية تجاه الدين والجماعات بلا معرفة ولا تهذيب اجتماعي أو شخصي، من دون توقف أو تساؤل إلى أي حد ساهمت مثل هذه البرامج (الظلامية المسماة تنويرية، والثيوقراطية المسماة علمانية) في ترشيد الحالة التي تغرق عالم العرب في الخواء والفشل!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اتقول ما لانفهم أم لا نفهم ما تقول؟ (م. احمد)

    الخميس 17 أيار / مايو 2018.
    يفاجئني دوما في مقالات الأستاذ ابراهيم غرايبة الكم الهائل من عدم التجانس بين المحتويات بالشكل الذي يستحيل معه الوصول إلى استنتاج او استنتاجات منطقية من المقال كوحدة واحدة منسجمة، مقدمة لا علاقة لها بالمحتوى وخاتمة في وادٍ آخر لا علاقة لها بما سبقها
    هل بات "تصفيط الكلام المنمق" وسيلة للإيحاء للقارئ أن الكاتب ينتمي لزمن حداثي غير زمنه فيؤمن بقدراته وإمكانياته لإنه يقوم ما لا يمكن للقارئ أن يفهمه؟ وهل الايحاء بالكتابة النخبوية "وهي ليست كذلك" أداة لنرجسية ثقافية يسعى الكاتب لرسم صورته بها؟
    اسئلة برسم الكاتب الكريم،